بيروت، لبنان — أقدم الجيش الإسرائيلي على إصدار قرار بتهجير قسري لسكان مدينة النباطيه في جنوب لبنان يوم الثلاثاء، في سياق تصعيد حملته — المزعوم أنها موجهة ضد أهداف حزب الله — على الأراضي اللبنانية.
أفادت مراسلة الجزيرة زينة خضر بأن إسرائيل شنت يوم الأربعاء ضربات على بلدات على أطراف النبـاطية مصحوبة “بقصف مدفعي شبه متواصل”، وذلك تزامنًا مع احتفال المسلمين بعيد الأضحى.
وذكرت وسائل إعلام محلية أن إسرائيل قصفت النبـاطية عدة مرات يوم الثلاثاء، شملت ضربات جوية مباشرة على مقبرة داخل حدود المدينة. كما استهدفت قواتها القرى المحيطة، وصُوّب القصف بشكل متكرر على قرية يحمور الشقيف.
من جهته، أعلن حزب الله عن تنفيذ ضربات مدفعية وطائرات مسيّرة ضد تقدم القوات الإسرائيلية حول بلدة زوطر الشرقية في قضاء النبـاطية.
أسفرت الهجمات الإسرائيلية منذ تصعيد الحرب في 2 مارس عن مقتل ما لا يقل عن 3,213 شخصًا في لبنان، بينهم مسعفون ومدنيون، مع توسع الغزو والاحتلال لبلدات وقرى الجنوب.
وعلى الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدنة أخرى في 16 أبريل، واصل طرفا الصراع تبادل الهجمات، فيما أقامت إسرائيل منطقة عازلة تمتد نحو 10 كيلومترات يحدد محيطها الشمالي ما تسميه “الخط الأصفر”.
إليك ما تحتاج معرفته:
أين تقع النبـاطية؟
النباطية مدينة وبلدية في جنوب لبنان تقع فوق نهر الليطاني، وتبعد نحو 11 كيلومترًا عن الحدود الجنوبية. لطالما كان نهر الليطاني نقطة محورية في اتفاقيات وقف إطلاق النار السابقة والاتفاقات الدولية، التي غالبًا ما نصّت على انسحاب وجود حزب الله شمالًا من الليطاني. تحيط بالمدينة عدة قرى طالها القصف الإسرائيلي بشكل متكرر أو دُمّرت.
لماذا تركز إسرائيل على النبـاطية؟
يرى محللون محليون أن التركيز الأخير يهدف إلى “تحويلها إلى واحدة من البلدات أو المدن المشمولة تحت الخط الأصفر”، وفقًا لما قاله جاد دلّاتي، محلل سياسي من النبـاطية، لصحيفة الجزيرة. النبـاطية رمز تاريخي للمقاومة في لبنان؛ ويشير الكثير من السكان إلى انتفاضة عاشوراء عام 1983، عندما توجهت القوات الإسرائيلية نحو جمع يؤدي مراسم دينية في المدينة، فالتقت بمئات الآلاف من المدنيين الغاضبين، ما شكّل شرارةً لتورّط أوسع في المقاومة المسلحة خلال السنوات التالية.
كما أن السكان في النبـاطية من الغالبية الشيعية، والمدينة تشكّل محورًا اقتصاديًا مهمًا لجنوب لبنان. لذلك لا يقتصر استهدافها على عناصر حزب الله المقاتلة فحسب، بل يُنظر إليه كجزء من استراتيجية أوسع لإضعاف المجتمع الشيعي الذي يعتمد عليه الحزب في استمداد الدعم.
يقول محمد بزي، زميل في مؤسسة DAWN، إن استهداف النبـاطية يُعدّ محاولةً لشلّ المحركات الاقتصادية للمجتمع الشيعي في الجنوب، لزيادة الضغط على حزب الله ودفعه للتخلي عن القتال.
هل هذا السبب الوحيد؟
ليست الدوافع عسكرية بحتة؛ فالأبعاد الرمزية والإدارية والاقتصادية للنباطية تجعلها هدفًا ذو حمولة معنوية كبيرة. وفق دلّاتي، الهدف هو إلحاق الضرر بالمجتمع الشيعي كوسيلة للضغط على حزب الله، عبر جعل العودة إلى المنطقة مستحيلة وجعل الحياة اليومية غير قابلة للاستمرار.
ماذا تقول إسرائيل؟
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الجيش سيعمل على “سحق” حزب الله، وقال إن العمليات توسعت إلى ما وراء ما تُسمّى “الخط الأصفر”. وأضاف في تسجيل مصوّر أن إسرائيل في حالة حرب مع حزب الله وستكثف ضرباتها. أدى إعلانه إلى موجة نزوح من ضواحي بيروت الجنوبية، بعدما كان كثيرون قد عادوا منذ بدء الهدنة الظاهرية التي خففت الهجمات على بيروت.
وعلى الرغم من تأكيدات إسرائيل باستهداف أهداف تابعة لحزب الله، فقد سقط العديد من المدنيين. وأعلنت الدفاع المدني اللبناني يوم الأربعاء إن فرقها أنقذت 15 مدنيًا محاصرين داخل مبانٍ متضررة في النبـاطية. كما استهدفت إسرائيل المسعفين مرارًا، وأشار تقرير لجنة حماية الصحفيين إلى مقتل عدد من الصحفيين، في حين وُجّهت اتهامات بضربات “مزدوجة” أو “ثلاثية” تستهدف المجيبين الأوائل.
كيف تتعامل لبنان مع الوضع؟
تستعد الحكومة اللبنانية للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في الثاني والثالث من يونيو. وفي كلمة ألقاها بمناسبة عيد الأضحى، دعا الرئيس ميشال عون إلى “المحبة والتضامن والوحدة” في ظل الظروف الصعبة والتحديات الناتجة عن الهجمات الإسرائيلية المستمرة.
كيف ردّ حزب الله؟
أعلن الحزب أن مقاتليه اشتبكوا مع القوات الإسرائيلية في زوطر الشرقية عن “قرب مسدس”. وفي خطاب متلفز، أدان نيان قاسم، نائب أمين عام الحزب، مفاوضات السلام المباشرة المقررة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل واعتبرها مرفوضة.
هل هذه أولى الهجمات على النبـاطية؟
لا؛ النبـاطية كانت مستهدفة مرارًا منذ الغزو عام 1978 والاحتلال في 1982، مرورًا بعمليات في 1993 و1996 و2006، ثم في 2024، والآن مرة أخرى. خلال التصعيد في 2024 تعرّضت المدينة لقصف يومي دمر سوقها التاريخي، وحتى خلال فترات الهدنة طالت الضربات كلًّا من المدينة وقضاءها. وخلال التصعيد الحالي منذ 2 مارس، تكررت الهجمات على النبـاطية والمناطق المحيطة بها، وما زالت أوامر الإخلاء تُصدر تقريبًا لكل منطقة أو بلدة في المحافظة. قال إن المناطق المحيطة خُليت بالفعل بأوامر إخلاء سابقة وبقصف مكثف دمّر أجزاءً كبيرة من المدينة.
كيف يتأثر أهالي النبطية؟
أكثر من 1.2 مليون شخص في لبنان مهجّرون، بينهم كثيرون من النبطية والبلدات والقرى المحيطة بها.
بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار في 16 ابريل، قال رجل من إحدى القرى القريبة من النبطية، نزح إلى كورنيش بيروت، لقناة الجزيرة إنه لن يعود إلى منزله حتى يعلن رئيس البرلمان نبيه بري أن الوضع آمن.
في عام 2024 فرّ العديد من سكان النبطية ومحيطها من بيوتهم. وأوضح السكان المحليون أن كثيرين بقوا في المنازل خلال هذا التصعيد الأخير، إما بعد ما وصفوه من إهانة خلال موجة نزوح جماعي سابقة في 2024، أو لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل تكاليف السكن البديل.
قال ديلاتي: «ما فعلته أوامر الإخلاء للمدينة بأكملها هو أنها أجبرت من بقي، ومن لم يرغب بالمغادرة، على الرحيل لأنهم شاهدوا شدة الغارات الجوية في الأيام القليلة الماضية، وأدخل أمر الإخلاء شعوراً حقيقياً بالخوف في نفوس سكانها الذين أصبحوا الآن جميعاً مهجّرين. والمدينة الآن فعلياً خايلة، والهدف التالي هو تدميرها.»