المتحف الجديد في نيويورك: عودة بعد غياب وتوسعة طموحة
بعد غياب يقارب العامين، أعاد متحف New Museum في مانهاتن افتتاح أبوابه بعد مشروع توسعة أشرفت عليه OMA، ليعود كواحد من أندر المتاحه المتخصصة حصرياً في الفن المعاصر في البلاد. الإصدار المعاد افتتاحه يستقبل زواره بعرض جماعي ضخم بعنوان «بشر جدد: ذاكرات المستقبل»؛ تنظيم قسم المعارض في المتحف تحت إشراف المدير الفني ماسيميليانو جيوني، ويضم أكثر من مئتي فنان ويجري عرض نحو سبعمئة عمل تمتد على مدار أكثر من قرن من الزمن.
المكان والتصميم
التوسعة — التي تضيف نحو ستين ألف قدم مربعة من المساحة — دمّجت المبنيين بسلاسة، وصارت السلم الحلزوني الجديد محور المبنى الموسّع، ويعبر عبره تمثال كلارا هوسنيدلوفا المعلق. السلم يمنح المكان هوية معمارية غير موجودة سابقاً في مبنى باواري القديم، ما يجعل المتحف يبدو الآن أكثر تكاملاً وراحة في التنقل؛ المصاعد والردهات طالتها الأعمال المعروضة أيضاً، فالمعرض لم يعد مقتصراً على الطوابق فحسب بل امتد إلى مساحات متفرقة داخل المبنى.
ماكسيميليانو دورون: الانطباع الأول
ماكسيميليانو دورون اعترف بأنه كان يعادي زيارة المتحف سابقاً، ليس بسبب البرنامج بل بسبب مبناه المصمم من قبل SANAA الذي كان — حسب قوله — «شكل على حساب الوظيفة». أشار إلى برودة الإحساس العام بسقوف منخفضة أحياناً، وسلم خلفي خطير يربط الطوابق، ومصعد شحن عام يقطع تصميم الفضاء. ثم أضاف بصراحه أن التوسعة كانت ضرورية لإصلاح هذه المشاكل، وأن السلم الحلزوني «تحفة معمارية» يسهّل الحركة ويمنح مشاهد بانورامية على سوهو عبر النوافذ. رغم حزنه على فقدان المقهى ومساحة المشروع في الطابق الأرضي التي تحولت الآن إلى متجر هدايا، يرى أن المتحف اكتسب «مساحة تتنفس» والفنون تظهر الآن بأفضل حال في القاعات الجديدة.
أليكس غرينبرغر: تجربة الزائر
أليكس غرينبرغر اتفق مع نقد المبنى القديم واصفاً إياه بأنه كان محرجاً وضيقاً وصعب التنقل فيه لكل من القيمين والزوار. لكنه رحب بالتوسعة، معتبرها تحسناً كبيراً؛ المساحات الأكبر تجعل الزيارة تتطلب الآن جزءاً من بعد الظهر بدلاً من ساعة، وهو أمر جيد لأن المتحف بات يناسب طموحاته الأعلى. كما مدح تكامل الجديد مع القديم وأشار إلى أن تصميم المعرض العام ممتاز؛ فقط لوحات الشروح على الجدران تميل إلى الإطالة المفرطة، لكنها في المقابل تمنح القارئ ثروة من المعلومات إذا امضى وقتاً في قراءتها.
العرض: فوضى منظمة ومواضيع محورية
«بشر جدد» مشروع ضخم ومتنوع تتوزع أعماله على ثلاثة طوابق رئيسية وتمتد إلى مصاعد ولوبِّي المتحف — ومن ثم فإن تجربة مشاهدة المعرض لا تُقام من منظور واحد فقط. التصميم المعروض يعمل على تنظيم الكمّ الهائل من الأعمال وفق محاور موضوعية تحمل عناوين مسمّية ذكية مثل «نساء آليات» و«آلهة اصطناعية» و«آلات الحلم» و«باليهات ميكانيكية». هذه البنية الموضوعية تفسّر سبب نجاح العرض بالرغم من كثافته: تجمع مجموعات مضبوطة من الأعمال تشكل مناطق ذات ترابط فكري وبصري.
الأعمال البارزة والتوافق بين القديم والجديد
من ملحوظات الزوار أن المتحف أدرج منحى تاريخياً واسعاً إلى جانب الأعمال المعاصرة: من أعمال تعود للقرن الماضي إلى أعمال حديثة تُحاكي نفس الهواجس. مثلاً، تمثال لتاو لويس (2024) يتناسب تماماً مع مقياس القاعة الجديدة، وتماثيل هلامية مملوءة بالهيليوم لأنكا يي تطفو فوق رؤوس الزوار، مؤكدّة على الهواءية الجديدة للمساحات.
التقارب بين المعارف الفنية والعلمية أيضاً حاضِر بقوة: نموذج تشريحي عام 1976 للجراح نجوَّل ويلدر بِنفيلد يواجه رسم عصبي من 2019 لأنجيلا سو، وجمع هذا النوع من المواد يبيّن أن خيال الفنانين حول الجسد في أوقات الشدّة كثيراً ما يستدعي علم التشريح والطب.
مشاهد من الجسم والرهبة
المعرض لا يتجنب عناصر الرهبة والرعب؛ هناك أعمال تصرّ على استحضار أجساد متحللة أو مشوّهة أو متحوّلة: من صناعات ه. ر. جيجر الشبيهة بمخلوقات أفلام الخيال العلمي، إلى منحوتات إيفانا باشيتش التي تبدو ككائنات ذائبة في سوائل، إلى لوحات يانا أويلر التي تحول قدماً إلى عضو جنسي، ونماذج هانز بيلمِر الغريبة، ولوحة ماينا-مريم مونسكي التي تتصور الولادة كمجموعة لحمية مقسَّمة بإطار مربع. هناك أيضاً مشاهد تصويرية صادمة من فن الأداء، مثل صور من عرض لِنورا دي بروس عام 1979 حيث بدا لسان الفنانة عالقاً بين تروس آلة كاتبة — لقطة تجمع البشاعة مع جمالٍ مقزز.
الرعب والحروب
أحد أبعاد الجسد في «بشر جدد» هو جسد الحرب: أعمال توثّقت لاختراعات عسكرية من الحرب العالمية الأولى، وأطقم وجوه اصطناعية من صنع آنا كولمان لاد لجنود تضررت وجوههم، ولوحة ناتسيوكي ناكانيسي 1959 التي تبدو كما لو أنها تُجسّد جلد الناجين من القنابل الذرية، ولوحة زوران موشيتش 1974 التي تستدعي تجربة المعتقلات. في مقابل هذه الأعمال، تم عرض قطعة لبول ثيك من سلسلة «أجساد تكنولوجية مقدسة» حيث يضمّ ذراعاً رمادية داخل صندوق من البلاستيك الشفاف كما لو كان في تابوت ذي طابع شعائري، وهو تركيب يربط بين فكرة التحنيط المسيحي وصور دمار الحرب.
قسم «قاعة الروبوتات» من أكثر التركيبات دينامية في المعرض: بعد عبور سلم قديم سريع ترى فيديو يوري أنكاراني «دا فينشي» (2012) الذي يربط بين أذرع روبوتية تؤدي حركات رقص جراحية، ومساهمات لَـPrecious Okoyomon، وزواحف روبوتية لباميلا روزنكْرانز تتحرك عبر سجادة وردية — حذّر الزوار من أن يدهسوها.
نبرات أمل وغضب
رغم ثقل الموضوعات، لا يخلو المعرض من لمحات أمل. عمل فريدا تورانزو جايغر «أن تتخيّل هو أن تغيب عن الذات» (2025) — لوحة مطوية تشبه مذبحاً تعرض صندوق أدوات مع مفاتيح مُطرَّزة — يُقارب فكرة الخضوع للآلة لكنه أيضاً يقرأ كعرض لأدوات الثورة: تقنية يمكن أن تُستخدم ضِدّ نفسها.
ثغرات ملحوظة: الفن الرقمي والنت آرت
نقد متكرر داخل النقاش كان غياب حضور قوي للفن الرقمي والشبكي. ثمة أعمال مبكرة للحوسبة ومعرض رقمي يمكن التفاعل معه، لكن ممارسات النت آرت التي ازدهرت مطلع الألفية وكتب عنها المتحف نفسه بواسطة منظمة Rhizome لا تحظى بمكان لافت هنا. أسماء مؤثرة في تحولات الانترنت الفنية مثل جوش كلاين وإد أتكينز وريان تركارتن وDIS غائبة تقريباً، وهو غياب ملحوظ بالنظر إلى دور المتحف في كتابة تاريخ هذه النتشركات.
أعمال معاصرة بارزة
من بين الأعمال الحديثة الملفتة فيلم هيتو ستايرل الجديد (2025) الذي اعتُبر من أبرز عناصر المعرض: «ميكانيكال كردز» يسلط الضوء على لاجئين من العراق عملوا في «تروكينغ» لصالح شركات تدريب خوارزميات؛ توثيقهم عبر زووم وتقاطع المشاهد مع صور مولدة بالذكاء الاصطناعي يُنتج رؤية مقلقة عن تفكك الجسد والسياسة تحت سيطرة الآلة.
ختاماً
«بشر جدد» معرض طموح ومشتبك تاريخياً وفنياً؛ يُعيد طرح تساؤلات عن علاقة الإنسان بالتقنية، عن جسم الحرب والجسد الثائرة، وعن طرق تخيل المدينة والمستقبل. العرض يزخر بقطع قد تصدم أو تنبّه أو تُلهِم، وفيه أيضاً ما قد يُستكمل في عروض مستقبلية — خصوصاً في البُعد الرقمي — لكنّه بلا شك عودة موقّتة ومهمة لمؤسسة استثنائية كانت تفتقدها المدينة.