لندن — كان إدوارد بورّا رسّامًا إنجليزيًا يعاني أمراضًا مزمنة؛ التهاب مفاصل مؤلمًا وربوًا مرافقًا طيلة سنوات طويلة من حياته. ومن أصلٍ طبقي راقٍ في جنوب إنجلترا، بشعرٍ مصففٍ مفروقٍ عن الجانب ومضفوطٍ بدقّة، أمضى جزءًا كبيرًا من حياته في هروبٍ محمومٍ من تربيته وبيئته.
كان بورّا يتوق إلى صدمة الغربة وإثارة الغرابة، إلى احتضان سحر الحياة المسرّة والمحرّمة والمستنكرة. كان يغادر أحيانًا المنزل لشهور من دون وداع؛ أين يذهب إدوارد؟ لم يكن أحدٌ يدري. هل سيعود؟ ربما، لكن الإجابة تظل معلّقة.
بدأت رحلاته في باريس ثم إسبانيا والولايات المتحدة والمكسيك. وفي معرضه المنظّم بعناية وبترتيبٍ زمني في تايت بريتن، تسمع في أروقة العرض ما ينساب من موسيقى — موسيقى عشقها إدوارد: اندفاع الجاز الخام والحيوية الحسية التي غذت أعماله في سنوات هارلم. على الحائط صفّ من أسطوانات الفينيل السوداء؛ كانت تلك أسطواناته.
المشهد هناك هو مشهد العشرينيات الهائج، بكل تفلتاته. قد تشعر بالرغبة في إمساك ذراع أحدهم وسحبه إلى أرض الرقص. المساحات في هذه القاعات كافية لتترك أثرَك.
لوحات بورّا، شأنه شأن صاحبه، تنطلق سريعًا هاربةً من الأعراف والوقار. معظمها مزدحمٌ بالشخصيات — تكاد تشمّ رائحة العرق الحلو. تشعر بدوخة الإثارة من كل الانعطافات والالتواءات والاقتحامات، بدفعاتها وجذبها.
أطراف الشخصيات تميل إلى الانبعاج كأنها قابلة للنفخ؛ تتطاول الأصابع وتصبح مطاطية. الملامح تضغط وتتشكّل إلى أقنعة غير إنسانية. وجوههم مطمورة بالمكياج إلى حد يصعّب تحديد حدود خيالات هذا التظاهر والتمثّل.
هؤلاء الموجودون، العائمون في أوهام الرسام الإنجليزي، يزدهرون في بيئاتٍ ليليةٍ مثيرةٍ يغلب عليها السكر المتساقط من صوانٍ مهشّمة. من يسكن داخل كل هذه الشهوات الخطّرة والمتكلفة؟ إنها استفزازية إيحائية على عجل، سرياليةُ طرافةٍ مرشوشةٌ بسخرية، ويسجّل بورّا كل ذلك، متلذذًا بخصوصية ناسه ومشاهدِه — وهو الذي لوّى الحقيقة حتى تشوهت. أمعن النظر في تعابير «الأختان» (1929) الغريبة، أو في الريبة الهزلية الظاهرة في «شرفة تولون» (1929). في نيويورك، يفتن فورًا بسحر حياة هارلم الليلية — مشاهدُ عناقٍ رائعة تستحق التأمل في «قاعات سافوي، هارلم» (1934).
ثم، في إسبانيا، وسط الموت والاضطراب والتشظّي أثناء الحرب الأهلية، يحلُّ الظلام على المزاج ولوحة الألوان، وتميل الهيئة البشرية إلى التجريد والآلية. الحرب تلوح فوق هذه اللوحات؛ نشاهد القبور المفتوحة ونتمعّن في الهياكل العظمية.
في نهاياته يعود إلى إنجلترا محاولًا صياغة ردّ على دخان الصناعة ورغاوة حياة الشارع للطبقة العاملة. «الأولاد الخشنون» يركلون في انسجامٍ، كما لو كانوا ممثلين جامدين على خشبة. هذه اللوحات لا تقنع تمامًا — لقد فقدته الطاقة القديمة. لم يعد بورّا قادرًا على الحفر بعمقٍ كافٍ.
المعرض يتالّق في تايت بريتن (ميلبانك، لندن) حتى 19 أكتوبر. أشرف على تنسيقه توماس كينيدي بمشاركة إيليزا سبندل.