الفنان الذي تنتشر مسلاته المتلألئة في أنحاء العالم

حين علمت أن جيزيلا كولون تُقيم معرضاً استعاديةً في متحف الفن المعاصر في بورتو ريكو سارعت لزيارته، مدفوعة برغبة في مواجهة التردُّدات العميقة التي كانت تساورني تجاه فنها وإعادة ترتيب أفكاري حولها.

قبل وصولي إلى سان خوآن كانت معرفتي بأعمالها تقتصر على الأبهاء اللامعة — أوّبِليسكات ضخمة تُعرض كلٌّ على حدة، وتستحوذ على النظر بسطوةٍ تكاد تقرأ ككائن مستقل. لم يكن غريباً أن تُعرض هكذا: فوجودها الآمر يجعلها قادرة على الحضور بمفردها. رأيت إحدى قطعها قرب أهرامات الجيزة حيث جلست كرة مقوّسة ذهبية بالقرب من أبو الهول تشابَهَت معه في الحجم واللون، وفي عرض آخر ارتفعت رمحية فضية متلألئة فوق صحراء عربية.

تلك «المنوليثات» كما تسميها الفنانة، ساحرة بلا ريب؛ فهي تصنعها منذ منتصف التسعينات. أمام أحدها يصعب أن تلتفت إلى ما سواه، إذ تتبدَّل ألوانه أثناء التحرك حوله بدرجات لا يكاد أسلافها من مدرسة «الضوء والمكان» أصحاب النُهج المينيمالية والفينومينولوجية أن يصلوا إليها: الفنانة التي في الخمسين من عمرها تستخدم تكنولوجيا أصباغ متقدمة، تمزج ألياف الكربون المستخدمة في الفضاء مع أصباغ مخصَّصة تبتكرها من مواد عضوية بمعظمها—معادن ومواد محلية مرتبطة بالمكان. النتيجة شكل فريد يمتص ويعكس المحيط، أحياناً حتى المشاهد الطبيعية ذاتها التي أنشئت منها القطعة. مثال ذلك MONOLITO PARABÓLICA HEMATITA (Tierra de Substrato, Arecibo, Puerto Rico)، 2024، المصنوع من الهيماتيت، معدن أكسيد الحديد الذي يحول التربة والصخور إلى أحمر؛ استُخرج من أرض عائلتها في أريسيبو، لكنه معدن يظهر أيضاً على المريخ وعلى القمر.

الانتقال في المقياس — من البيت إلى الكون، من الجزئي إلى الكوني — هو جوهر عملها. هذا ما استوعبته أثناء تجوالي في المعرض الذي يحتل ثلاث قاعات الكهف تتدرّج في الظلمة كلما غصت أعمق في عالمها.

يقرأ  إسرائيل تعترض على تعيينات ترامبللمسؤولين التنفيذيين في «مجلس السلام» لغزة

من ناحية الشكل، تبدو منوليثاتها رائعة وسامية، لكنها تحمل أيضاً مسحات من احتفالات «بيرنينغ مان» وميلاً إلى طلاء أظافر مصقول؛ أشكالها البيضاوية اللامعة تُشبه أظافراً كبيرة جميلة. كان يزعجني هذا التشابه وأردت أن أستقصي ما سبب انزعاجي، وما إذا كان يجب أن أكون منزعجاً فعلًا— فبعد كل شيء أنا من محبي الطلاء اللامع على الأظافر؛ وأكتب هذه الكلمات وأنا أرتدي طلاءً لامعاً.

تذكّرت صفحات من كتاب روزاليند غالت Pretty التي سلبت مني بسرعة ذلك الحكم التلقائي الذي يفترض أن الجمال «الظاهري» دليل على سطحية؛ غالت برهنت أن ذلك السلوك الاستنتاجي يحفل بعُنصرية نوعية تجاه ما يُصنف على أنه «جميل» ويُحيل إلى بخسٍ في القيمة.

والطبع أن الأشياء الجميلة قد تكون سطحيّة. لكن في حالة كولون يكافئ الغور والتأمل؛ فكلما تعمقت، كُوفئت. مثل كثيرين من الفنانين التجريديين قبلها، تنجذب كولون إلى تصوير العالم في أبسط صيغته، وربما إلى استدعاء إحساسٍ بالشمولية. موادها من أكثر عناصر الأرض بدائية—جيولوجيا—وأشكالها تستجلب الطوطم والأوبِليسكات والأحجار العملاقة ما قبل التاريخية وقمماً أصلية كاريبية؛ تحيِل في آن واحد إلى مستقبل وماضٍ.

وهنا يبتعد فنّانة هذه المرحلة عن أسلاف «الضوء والمكان» بفارقٍ حاسم: هي لا تُغالي في افتراض تجريدية خاماتها. لتلك المواد تاريخات، والتواريخُ تلك تدخل في بنية المعنى لدى أعمالها. في عصر الأنثروبوسين حيث لا يعود ممكنًا فصل الطبيعة عن الثقافة، تدرك أن الجلال الجمالي غالباً ما يقترن بعنفٍ رهيب.

تجربة مبكرة مع عنف السلاح ساهمت أيضاً في توجيهها نحو شكلها المميز الذي يخترق الفضاء بصلابة، وإلى استخدام مواد لا يمكن أن توجد إلا عبر آليات المجمع الصناعي العسكري. حتى مدرسة «الضوء والمكان» كانت مشدودة إلى هذا المجمع، كما فسّر عرض في متحف بالم سبرينغز مؤخراً، لكن قلّما اعترف بترابطٍ محمّل بالتناقضات؛ أما كولون فتجعله موضوع وعيٍ ذاتي.

يقرأ  مجموعة فيليبس — تطرح للبيع أعمال أوكيف ودوف وسورّا

لغالب الأعمال تتجلى التوترات الأكثر حيوية في بطاقات الشرح، حين تقرأ العناوين والمواد. لكن استثناءً يبرز عمل واحد: ESTRUCTURA TOTÉMICA (PIEDRAS CONTRA BALLAS, BAYAMÓN INCANDESCENTE)، 2022 — قوس أملس لامع يتوسّط عموداً نحيفاً على طريقة برانكوسي. العمود من بلاستيك زجاجي شفاف مملوء طبقات من مواد مسحوقة استُخدمت أيضاً لصنع الشكل المقوّس: تراب أحمر ورمل الصحراء، وذرات مُدَمَّرة من رصاصات. وهي في شكلها الخام متشعبة الطبقات وجميلة، لكن فيها خشونة وقسوة. العنوان، «صخور ضدّ رصاصات»، يؤكّد المعنى بلا مواربة.

بالتوازي مع معرض المتحف عُرضت قطعة صمّمَتها كولون لإل جونكي، غابة مطيرة بورتوريكية كانت موقع تجارب لمادة «العامل البرتقالي»؛ وهي الغابة نفسها التي استلهمت منها أول منوليث في 1996. تَستقبل الرمحية الزوار وهي تبدو جبلاً وصاروخاً في آن واحد، بانتقالٍ لوني ناعم من الأخضر الليموني إلى أزرق بنفسجي عميق—انعكاسات مكبرة للنباتات والسماء. بطريقةٍ عجيبة، يبدو الجزء الليموني وكأنه يلاحقك أثناء دورانك حول القطعة. والأمر مهم لأن الأجزاء الذهبية التي تطاردك تشير إلى عنوان العمل Rivers of Gold and Dust (Parabolic Monolith Aurus Pulvum)، 2017–25، الذي يحيل إلى العنف الذي تعرّض له السكان الأصليون أثناء نهب الإسبان للذهب من أنهار الجزيرة. بعض المعادن في أصباغه تأتي من رمال الصحراء الكبرى التي تحملها الرياح سنوياً إلى الكاريبي وتغذّي تربة الغابات هناك.

في يدي كولون يلتقي الروحي والعلمي—وكذلك التوتّرات الطويلة بين التحليل والروحانية في التجريد—في طيٍّ واحد. أحياناً بدا لي أن طيّها سلسٌ أكثر من اللازم حيث كان ينبغي أن يكون هناك احتكاك. رغبت مراتٍ في قرائنٍ أكثر وضوحاً على التوترات المركزية في العمل. ثم أدركت أن السلاسة نفسها هي الاحتكاك؛ أن البريق لم يَترقَّ لي بسهولة لأن عليه ألا يترقَّ. الجمال والعنف لا ينبغي أن يتقابلا بهذا الانسجام داخل التماثيل، لكنهما يندمجان كذلك في العالمِ كما يعرف زوار إل جونكي جيداً. الرعب تحت أسطح المنوليثات اللامعة يذكّرنا بضرورة أن ننظر إلى الأرض، ثم أن نغوص أعمق في ما تحمله من تاريخٍ وجرح.

يقرأ  مكتب حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في «وضعية النجاة» بعد تخفيضات تمويلية حادةأخبار الأمم المتحدة

أضف تعليق