«اللغة التي نتقاسمها»
في عمل كل من بيفرلي برايس وغوردون باركس تتداخل الفوتوغرافيا كوسيط حيّ وذاكِرِيّ؛ الصور عندهما ليست لحظة واحدة جامدة، بل سجلات تتواصل مع المشاهد طويلاً بعد التقاطها. معرض «اللغة التي نتقاسمها»، الذي يُفتتح هذا الشهر في مركز الفن والمناصره، يستدعي هذا الامتداد الزمني والتاريخي عبر وضع برايس وباركس في حوار بصري مباشر.
غوردون باركس (1912–2006) كان من أبرز المصورين في زمانه؛ منذ الأربعينيات غاص في تفاصيل الحياة الأمريكية، التقط صوراً مميزة لمجلات مثل إيبوْني وغلامور، وخاض مشاريع امتدت من التوثيق المجتمعي إلى المناصرة الحقوقية. لم يرَ في الكاميرا مجرد أداة تسجيل، بل سلاحاً في مواجهة الفقر والعنصرية وما يرتبط بهما من مظالم اجتماعية؛ ومن هنا انطلق كمؤرخ وناشط بصري في آن واحد.
بيفرلي برايس، التي خرجت من سجن قضت فيه عشرين عاماً، لم تلتقط كاميرتها إلا بعد عقدٍ من إطلاق سراحها، لكنها حين فعلت دخلت في نوع من الحوار العابر للأجيال مع إرث باركس. برايس، الحاصلة على زمالة المركز عام 2023، تُعنى بالتصوير بوصفه وسيلة للدفاع عن أصوات مهمّشة، وتركّز خصوصاً على وقاية الأطفال الذين تتقاطع قضاياهم مع تلك التي تناولها باركس سابقاً.
يتقاطع عمل المصوّرين جغرافياً في منطقة أنكوستيا بجنوب شرق واشنطن، حيث يبرز المعرض مواطن الاشتراك والتباين: كيف تغيّرت هذه المشاهد الاجتماعية والثقافية، ومن هم الأشخاص الذين ما زال واقعهم ينعكس بقوة في الصورة. من المحاور المتكررة في أعمالهما الطفل: باركس يصوّر فرقة راقصة صغيرة ضمن مشروع إسكان، وبرايس تلتقط لحظة حميمية لولدين يغمرهما الماء عند مصب مروحة مياه، فرحٌ بسيط يبرز حميمة البراءة وهشاشتها أمام ضغوط كالعنصرية والفقر والعنف الشرطي.
كما يعالج المعرض أثر نظام العقوبات والسجون على الحياة اليومية: صور باركس من هارلم في ستينيات القرن الماضي تُظهر طفلاً مستنداً إلى حاجز مؤقت، وصورة احتجاجية أمام قسوة أجهزة إنفاذ القانون، وحتى لقطة مكثفة لرجل يمدّ يده عبر قضبان زنزانةٍ في شيكاغو. وبرايس بدورها تنبه إلى التتبّع والمراقبة من خلال لقطة مُقتربة لحذاء آير جوردن مثبت عليه جهاز مراقبة إلكتروني، في تذكير بصورٍ من واقع الحرمان والقيود.
تدارس المعرض أيضاً طرق التصوير كأداة للمطالبة بالعدالة: كيف توثيق المشاهد يُحرّك التعاطف العام ويحفّز على التفكير والإجراء. برايس تقول في بيانها الفني إن التصوير بالنسبة إليها وسيلة قوية لتحقيق العدالة الاجتماعية—أداة لتوثيق الحقيقة وتحدّي الصور النمطية والدعوة إلى التغيير—مع أمل أن يُفضي عملها إلى فهم أعمق للتجربة السوداء والانخراط في جهود جماعية لبناء عالم أكثر عدلاً ومساواة.
«اللغة التي نتقاسمها» مفتوح للجمهور من 20 مارس إلى 19 يونيو في بركلين.