المشهد الثقافي الفنزويلي يراقب تبعات الإطاحة بمادورو

في عملية عسكرية تاريخية اعتُبرت انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، شنت الولايات المتحدة فجر يوم السبت غزوًا على دولة فنزويلا الجنوبية، وقامت باعتقال زعيمها نيكولاس مادرو وزوجته سيليا فلوريس، اللذين سيواجهان تهمًا فدرالية في نيويورك. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحة أن إدارته ستتولى إدارة شؤون البلاد مؤقتًا حتى تتولى حكومة مرشحة تفضّلها الولايات المتحدة، وتعهّد بإحياء البنية التحتية البتروكيماوية المتداعية في بلد يختزن أحد أكبر احتياطات النفط في العالم، مُشيرًا إلى أنه أبلغ كبار مسؤولي صناعة النفط قبل الضربة العسكرية، ولم يُخبر الكونغرس إلا بعد وقوع العملية.

تجمّعت ملايين الأصوات حول العالم تنديدًا بعودة سياسة القوارب الحربية والتدخل الصريح لتغيير الأنظمة، بينما احتفل عدد كبير من الفنزويليين في المهجر بإزاحة مادرو. وأدت مراسم أداء اليمين لنائبة الرئيس ديلسي رودريغيز لتتولى رئاسة مؤقتة، ولا تزال تساؤلات كثيرة قائمة حول ما إذا كانت إدارتها ستختلف جذريًا عن حكم مادرو، في ظل تهديدات صريحة من ترامب بأنها قد تواجه مصيرًا أشد.

لقد حكمت فنزويلا أنظمة استبدادية قاتلة لعقود، وتأثّر القطاع الثقافي تأثرًا بالغًا. استولى هوغو تشافيز على السلطة في 1999 وأدى سياساته إلى انهيار اقتصاد البلاد، متبوعًا بأعمال شغب دامية ومحاولات انقلاب ونقص حاد في الغذاء وفقر مدقع وتضخّم فاحش بلغ ذروته نحو 1.4 مليون بالمئة. هاجر ملايين الناس، ومن بينهم فنانون وتجار فنيات وقادة ثقافيون أسسوا مراكز عمل في مدن أكثر رحابة مثل نيويورك وباريس ومكسيكو سيتي وبوينس آيرس.

كانت كاراكاس لعقود عاصمة ثقافية إقليمية، واحتوت على متاحف بارزة، كما كانت الدولة تموّل الفنون بسخاء تاريخيًا. لكن ذلك تغيّر منذ صعود تشافيز؛ إذ صار الفنانون المعاصرون يُنظر إليهم بوصفهم خصومًا من قبل الدولة، باعتبارهم منخرطين في تأثيرات الرأسمالية. يقف الفنانون وتجار المعارض ومديرو المؤسسات الفنية في كاراكاس ومدن تمتد من ميامي إلى مدريد على أهبة الاستعداد لمتابعة التطورات عن كثب.

«كاراكاس كانت عاصمة المشهد الثقافي في أمريكا اللاتينية. لم تعد كذلك الآن»، قالت إحدى مديرات المؤسسات الفنية من كاراكاس في حديث هاتفي طلبت فيه عدم الظهور خشية الانتقام من الحكومة. أضافت أن المتاحف في حالة مزرية، وأن الحراك الثقافي الأخير جاء بصورة أساسية من القطاع الخاص. وذكرت معارض تشارك في معارض دولية مثل GBG Arts (أسستها غابرييلا بينعيم جيناري وماريو ماتوس) وبياتريس جيل في كاراكاس، ومعارض أسّسها فنزويليون في الخارج مثل Ascaso Gallery وDurban Segnini في ميامي.

يقرأ  عودة لوحة مسروقة تُصوّر القديس فرنسيس إلى كنيسة مكسيكية

«قد يبيع الفنانون عملاً أو عملين، وهذا يمثل مصدر دخلهم الوحيد»، قالت المديرة. «المتاحف لا تُقيم معارض مهمة. صحيح أنّه كانت هناك عروض في متحف الفن المعاصر لأسماء كبيرة مثل بيكاسو، لكن الناس باتوا يشكّون في أصالة الأعمال». وأضافت: «لا نحب الطريقة التي جرت بها الأمور بالطبع. إذا نظرت إليها بموضوعية، فالأمر جنوني تمامًا. لكننا بحاجة إلى تغيير. اتصل بي بعض الأشخاص يوم السبت قائلين إن علينا أن نحتفل، لكنني لم أشعر بالرغبة في الاحتفال. أريد البلد أن ينمو وأن تتوافر للناس فرص. ربما تتحسن الأمور، لكنّ فكرة أن يأتي رئيس آخر ويقول “سأُدير البلاد” تبدو استهجانية. مع ذلك نحتاج شيئًا جذريًا؛ ستكون هناك مرحلة انتقالية، فلنرَ كيف ستُدار».

في الشوارع، لم تكن الاحتجاجات الجماهيرية حاضرة كما توقعت، وبيّنت أنهم أناس يخرجون للعمل فحسب. تنتشر قوات حكومية مسلّحة ببنادق طويلة وتوقف الناس وتتفحّص هواتفهم. يعيش الناس في حيرة: هل يحملون هواتفهم ويخاطرون بأن يُعثر على مواد تُدينهم، أم يتركونها في البيت فتثير شَبَهًا؟ كتبت صحيفة نيويورك تايمز: «مادرو قد رحل، لكن القمع في فنزويلا ازداد».

الفنان خوسيه أنطونيو هيرنانديز-دياز، المولود في كاراكاس والمقيم في برشلونة، برز في ثمانينيات القرن الماضي، وشارك في بينالي البندقية (1993) وبينالي غوانغجو (1995)، وأقام معارض منفردة في نيو ميوزيوم بنيويورك (2003) وMACBA في برشلونة (2016). سرد هيرنانديز-دياز في رسالة إلكترونية موقفه من خبر اعتقال مادرو قائلاً إن ابنه أيقظه نحو الساعة السابعة صباحًا ليقول له: «أبي، ما أخبرتك أنّه سيقع قد وقع»، فظنّ في البداية أن الخبر يتعلق بأمر منزلي، ثم أخبره فجأة بما حدث لمادرو. لسنوات ظنّ كثيرون أن سقوطه سيُنهي الأزمة، لكن الواقع كان أبعَد.

بعد ساعات، سمع محللًا يصف المشهد بأنه «ثعبان بلا رأس»، واستحضر فيلم جايسون والأرجونوتس وصورة الهيدرا التي تتصارع ثعابينها بعضها مع بعض والبعض بلا رؤوس. «هذا بالضبط ما يبدو أنه يحدث في فنزويلا: ميدوسا مكوّنة من ثعابين مستمرة في الحركة، بعضها يعضّ الآخر، وبعضها بلا رؤوس، لكنّها على حد سواء خطيرة». «وهكذا نواصل الانتظار لنرى ما سيحصل، بينما تتعقد الأمور وتتصاعد حدتها».

الفنان لويس مولينا‑بانتين يقيم في مكسيكو سيتي ويزور فنزويلا كثيرًا؛ أعماله محفوظة في مؤسسات دولية بارزة، من غاليريا دي آرتي ناسيونال في كاراكاس إلى متحف الفن الحديث في نيويورك. سيشارك قريبًا في المعرض الجماعي «تيلينوفيلا» في أمريكا سوسايتي بنيويورك خلال الخريف.

يقرأ  منحوتات ريتشارد هانت تتصدر المشهد في المعرض الاستقصائي لمعهد الفن المعاصر في ميامي

قال لي في مقابلة هاتفية إن الوضع «حساس للغاية»: المعلومات الخارجة من البلاد غير دقيقة في كثير من الأحيان، ولا تزال الاحتجاجات مستمرة. أشار إلى أن كراهية البعض لترامب لا تعني تبرئة من ارتكب جرائم داخل البلاد؛ الواقع معقد، والناس لا يملكون صورة واضحة عمّا يجري.

ذكر أن بلدانًا مثل كوبا والمكسيك والبرازيل أنتجت فنانين بمستوى عالٍ سواء من حيث الكم أو الكيف، وأن الأرجنتين وربما كولومبيا تحظيان بقدر من الاهتمام، بينما تُعد ساو باولو ظاهرة في حد ذاتها لما لها من معارض ومؤسسات محترمة. أما في كاراكاس فـ«لا يوجد عالم فنون حقيقي» بعد أن تآكلت بنيته التحتية.

أضاف أن تشافيز لم يعترف بالفن المعاصر ووصفه بالنخبوية؛ عند مجيئه أُخرجت كثير من الأعمال المعاصرة من المتاحف وحُلّت محلها عروض «فولكلورية» من قبيل أمثلة محددة. ثم، مع تراجع المتاحف الرسمية، بدأ القطاع الخاص في خلق مساحات بديلة فباتت هذه الأخيرة هي العاملة فعليًا، مثل مركز الفن «لوس جالبونيس» ومجمع «هاسيندا لا ترينيداد» الثقافي.

«الجميع يطرح نفس السؤال: ماذا سيحدث الآن؟» سأل مضيفًا أنه استمع إلى مقابلة مع ماركو روبيو لم يُضف فيها أي مؤشر عن الخطوات المقبلة. «إن وُجد تشافيزية بدون تشافيز، فسيكون هناك تشافيزية بدون مادورو أيضًا. يوقفون الناس في الشوارع ويفتشون هواتفهم ويعتقلونهم؛ سمعت أنهم اعتقلوا 19 صحافيًا في يوم واحد لمجرد نقل ما جرى. القمع اليوم أعنف لأن هناك رغبة في الانتقام.»

أنصار الحزب الشيوعي الهندي واتحاد الطلبة نظموا تظاهرة أمام السفارة الأميركية في كولكاتا يوم 5 يناير 2026 احتجاجًا على هجوم الولايات المتحدة على فنزويلا واعتقال رئيسها وزوجته — تصوير ديبارتشان تشاترجي/نور فوتو عبر غيتي إيماجز.

الوسيط الفني فيديريكو لوغر قضى سنواته الأولى في فنزويلا وأسس معرضه الذي حمل اسمه في ميلانو عام 2005، ثم أُعيد تسميته «ويزارد غاليري» عام 2020. يمثل المعرض فنّانين دوليين وشارك في معارض مهمة مثل آرتيسيما وتورينو، وإكسبو شيكاغو، وزونا ماكو بمكسيكو سيتي، و«أنتايتلد» في ميامي وسان فرانسيسكو.

كتب لوغر في رسالة إلكترونية أن فنزويلا لم تكن بلدًا مثاليًا، لكنها كانت مجتمعيّة بعمق؛ تعايش الناس من خلفيات وثقافات مختلفة جزء من النسيج اليومي. مع تشافيز نما استياء تجاه الأجنبي ومن يختلفون في الرأي، ما رسّخ العدائية وساهم في ارتفاع الجريمة والخوف. جاء تشافيز من المؤسسة العسكرية وحكم بعقلية سلطوية، وتحت خليفته — مدورو — تفاقم الوضع: انهارت المؤسسات، صار العنف منهجيًا، تآكلت الديمقراطية، واختفت معالم العدالة. هذه سنوات مظلمة في تاريخنا.

يقرأ  مذكرات الحرب العالمية الثانية تطفو داخل شبكة من الخيوط القرمزية الدامية في «يوميات» للفنانة تشيهارو شيوتا — كولوسال

«عائلتي أمضت أكثر من خمسين عامًا في فنزويلا وبنت نشاطًا في البناء هناك، لكننا اضطررنا إلى الرحيل. تفشّى الفساد حتى أصبح طاغيًا. وأصبحت الاعتقالات التعسفية والاختطاف والتعذيب جزءًا من الواقع اليومي. هذا ليس رأيًا سياسيًا فحسب، بل واقع شهده عدد لا يحصى من الفنزويليين وثبّته مراقبون دوليون.»

في 2024 اجتمعت الأصوات الانتخابية وأدلى الفنزويليون بصوتهم ضد مادورو، غير أن دولًا عدة — من بينها الولايات المتحدة وبعض الفاعلين الأوروبيين — رفضت الاعتراف بالنتيجة بسبب غياب الشفافية والعدالة الانتخابية. رفض مادورو احترام إرادة الناخبين أبقاه في السلطة بوصفه شخصية سلطوية لا زعيمة منتخبة ديمقراطيًا.

«كمواطنين فنزويليين يصعب علينا أن نوصل تمامًا لمن لم ينشأ في هذا البلد ما يعنيه هذا اللحظة. هناك مزيج معقد من المشاعر يتعايش: ارتياح وحذر وأمل حذر على خروج شخصية استبدادية سببت الكثير من الضرر، وفي الوقت نفسه قلق مما يأتي بعد، خصوصًا عندما يتداخل التدخل الأجنبي مع عملية التغيير. هذه المشاعر المتضاربة ليست متناقضة؛ بل هي صادقة وتعبر عن صدمة عميقة وعدم يقين ترافق الفنزويليين بعد عقود من التدمير السياسي والثقافي.»

تحدث عن حجم الضرر الثقافي: كانت فنزويلا تملك جامعين جادين ونظامًا فنيًا نشطًا، وفنانون مثل خيسوس رافائيل سوتو وكارلوس كروز‑دييز حظوا باحترام عالمي. مع الوقت أجبر التشرّد الجامعين والمبدعين على الرحيل، وتضاءل الصوت الفني الفنزويلي على الساحة العالمية؛ اختفت مؤسسات مستقلة ومجلات فنية اندثرت.

لمدة تزيد عن عقدين عانى الفنانون الفنزويليون من نقص في الحرية والمنصات ووسائل التواصل؛ يستطيع العالم بسهولة تسمية فناني الولايات المتحدة وأوروبا، بينما باتت أسماء فناني فنزويلا بالكاد مرئية.

ما حدث في فنزويلا قاسٍ للغاية ويصعب استيعابه من الخارج: القدرة المجتمعية على الحلم والإبداع والحضور تآكلت بشكل ممنهج. إعادة الحياة الثقافية ستتطلب عدالة ومساحات حقيقية لتمكين الفنزويليين من استعادة روحهم الإبداعية.