بات ستير، التي اشتهرت بتجريداتها الضخمة التي كانت تصب فيها الطلاء من على سُلّم لتملأ الجدران، توفيت يوم الأربعاء في مانهاتن لأسباب طبيعية عن عمر يناهز 87 عاماً.
أكد خبر الوفاة زوجها يوست إلفرز، واثنتها ليلي سوكونك-كوهين، ومارك بايو، رئيس دار هاوزر آند ويرث التي مثّلت ستير منذ 2022.
وقال بايو في بيان: «العمل عن كثب مع بات ستير — وقضاء وقت طويل معها، والانغماس في عملها والاستمتاع بصداقة حميمة — من أعظم امتيازات مسيرتي». برزت ستير من رحم البساطة والمفاهيمية، لكنها طورت لغة بصرية فريدة، نوع جديد من التجريد الذي يضم الشعر والفلسفة، وممارسة امتدت إلى الكتابة والأداء والإرشاد.
قبل نحو ثلاثة عقود من مسيرتها، في أواخر الثمانينيات، ابتكرت ستير تقنية جعلت لها شهرة واسعة: من على سلم، ثم لاحقاً من منصة رفع، كانت تصب طلاء الزيت بدرجات لزوجة مختلفة على اللوحات القائمة، تاركة للجاذبية دور الشريك في صناعة العمل.
ومثلما وصفت ذات مرة: «إنها مصادفة ضمن قيود. أختار الألوان وأجري تقسيمات بسيطة على القماش، ثم عمليّة الصب هي التي تصنع اللوحة». بدأت سلسلة “الشلالات” لديها بالطلاء الأبيض، لكن التفاعل اللوني أثناء ترسّب الصبغ كان أساساً لفهم تلك التجريدات. «الأبيض فوق الوردي فوق الأخضر يصنع البرتقالي»، قالت في مقابلة 2017، مضيفة أن العين هي التي تخلط الألوان، فتُرى لونٌ واحد من خلال آخر.
كان قرارها هذا محرّراً؛ إذ تخلّت عن الفرشاة لأربعين سنة تالية، واستذكرت ذلك الاختيار بحنو في حوارات عدة. رأت أن قرارها مرتبط بمناقشات عالم الفن المعاصر وازدرائه حينها للرسم التجريدي. «كنت أفكر أكثر في المناهضة للحداثة»، قالت في تاريخها الشفوي لأرشيف سميثسونيان عام 2008، وأكدت أنها تفضل وصفة «ضد الحداثة» على مصطلح «ما بعد الحداثة».
ولدت باسم إيريس باتريشيا سوكونيك عام 1938 في نيوآرك، نيوجيرسي. من ناحية الأب كانت العائلة يهودية روسية هاجرت إلى الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الأولى، ومن ناحية الأم كان جدّها من اليهود السفارديم في مصر الذي قدم إلى أمريكا عبر لندن. في صغرها اختارت أن تُعرف باسم “بات” لأن اسم إيريس كان يثير لديها نوعاً من الحرج، وانتقلت عدة مرات داخل نيوجيرسي مع عائلة كان والدها يعمل في مشاريع طباعة الشاشة وعرض النوافذ ولافتات النيون على الطرق السريعة.
تذكر ستير والدها قائلاً إنه كان حزيناً لأن أحلامه الفنية تعرقلت بسبب ضرورة إعالة الأسرة. وتأثرت بأعمال دان فلافن وكلس أولدنبيرغ في الستينيات، وقالت إن فن البوب كان يذكّرها بوالدها وحياته العملية.
على الرغم من تشجيع والدها المبدئي، ورغم أنه اشترى لها طقم ألوان وهي صغيرة، ظلّ يخشى عليها من صعوبة العيش كفنانة. كانت تقضي أوقاتها في متحف فيلادلفيا للفنون تقرأ وتتفحص اللوحات حتى اعتاد الحراس على وجودها. حصلت على منحة لدراسة الأدب الإنكليزي في كلية سميث لكنها أصرّت على التفرّغ للفن، فحصلت على قبول فوری في معهد برات حيث درست الفنون التوضيحية والجرافيك، ودرّسها فنانون مهمون مثل أدولف غوتليب وفيليب غوستون وريتشارد ليندنر. لم تدم طويلاً في برات لأسباب مادية، وكان قرارها هذا سبب انقطاع كبير مع عائلتها.
تزوجت عام 1958 من صديق المدرسة الثانوية ميرل ستير وانتقلت إلى بوسطن حيث درست في كلية المتحف للعلوم الجميلة ثم انتقلت إلى جامعة بوسطن حيث تعرّفت إلى بريس ماردن، ثم عادت إلى نيويورك وأكملت دراسة الفن في برات وحصلت على بكالوريوس فنون جميلة عام 1961. استقرت في شقة في شارع مولبيري في داونتاون مانهاتن لسنوات طويلة، وأقامت أول معرض فردي لها عام 1964 بعد دخولها معرض تيري دينتنافاس حاملة شرائح أعمالها.
عُرضت أعمالها مجدداً في نيويورك عام 1971 وتحقّق اختراقها الفني عندما ضمّتها مارشيا تاكر إلى معرض ويتني السنوي عام 1972. انسحبت تدريجياً من عملها كمديرة فنية في دار نشر لتتفرغ للرسم، ومع حلول منتصف السبعينيات اتجهت نحو التجريد برسمها وروداً مشطوبة ومشاهد متجردة.
خلال ذلك العقد شاركت بفاعلية في الحركة النسوية الفنية، وكانت من مؤسسي جماعة الفنانات Heresies إلى جانب أسماء مثل لوسي ليبارد وجوان سيندر وميريام شابيرو وهارموني هاموند، لكنها قاومت أي قوالب تقليدية تلزم أعمالها بمضمون نسوي معيّن. قالت لمجلة نيويورك تايمز في 2019: «أصبحت فنانة ضد كل الاحتمالات ولن يسمح لي أحد بتحديد الصور المناسبة لي».
إلى جانب ممارستها الفنية كانت ستير معلمة واقعة التأثير، حيث شغلت مناصب تدريسية في معهد برات ومعهد كاليفورنيا للفنون، ودرس على يديها جيل كامل من الرسامين البارزين أمثال ديفيد سال وروس بليكِنر وآمي سيلمان.
بنصف العقد الثمانيني بدأت تقضي نصف العام في أمستردام، جذبتها هناك تاريخية الفن ورمbrandt وفان غوخ. رحلة قطار عائدة من متحف بويمانز فان بيونينغن في روتردام، حيث شرعت في تقطيع ملصق لزهرية لان جان بروغل الأكبر، ألهمتها سلسلة من 80 لوحة بعنوان “سلسلة بروغل (فانيتاس الأسلوب)”، ضمت مربعات صغيرة مستمدة من الطبيعة الصامتة عبر تاريخ الفن — من سيزان وبيكاسو وماتيس وموندريان وروثكو وكاندينسكي وباسكيات — موضوعة جنباً إلى جنب في شبكة هائلة.
عن منهجها قالت في ملف ARTnews عام 1985: «لا أرى فرقاً كبيراً بين أساليب العصور الفنية المختلفة. كل صناعة فنية هي بحث واختيار، مزيج من التفكير والحدس، صلة بين التاريخ والإنسانية».
تبع ذلك نجاح سلسلة “الشلالات”، واستمر صعودها في عالم الفن على نحو ثابت رغم قولها متهكماً إنها «نُسيت وأُعيد اكتشافها مراتٍ عدة». وفي 2020 خضعت لحياة فنية موثقة في فيلم من إخراج فيرونيكا غونزاليس بينيا بعنوان Pat Steir: Artist.
استمرت ستير في العمل على لوحات جديدة حتى أيامها الأخيرة. كما قالت في لقاء قديم: «التأثير الأكبر في حياتي هو حياتي نفسها. كأطفال يُغرس فينا تصوّر معين لما يجب أن تكونه ‘الحياة’. لكن لنجد راحة علينا التخلي عن تلك الأفكار؛ لا ينبغي أن نحصر أنفسنا في وجهة نظر واحدة. موضوع عملي هو وجهة النظر، طريقتنا في الرؤية. أحاول أن أنظر بعيون كثيرين».