باحث: حذف فرعونة من الذاكرة لم يكن بدافع الانتقام

حتشبسوت (حوالي 1505–1458 قبل الميلاد)، أقوى الحاكمات في مصر القديمة وأكثرهن نجاحًا، تميَّزت بإعادة فتح طرق تجارية قديمة، وتكليفها بمشروعات بناء ضخمة — ومن بينها معبدها الجنائزي في دير البهري — مما مهَّد لعصر من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي والانفتاح الفني. بدأت صعودها إلى العرش حين سمت نفسها وصية على ابن زوجها القاصر تحتمس الثالث بعد وفاة تحتمس الثاني، وبعد سنوات من الوصاية نالت لقب الفرعون وادعت ألوهية حية.

مقالات ذات صلة

إثر التنقيبات في دير البهري أوائل القرن العشرين، اكتشف الأثريون أن كل آثار حتشبسوت خلال حكمها الذي امتد عشرين عامًا خضعت لعملية تدمير ممنهجة بعد وفاتها: حُفِر cartouches أسمائها من الجدران والمسلات، وكسرت تماثيلها إلى أجزاء. كان الباحثون في البداية يعزون ذلك إلى انتقام تحتمس الثالث الذي تلاها على العرش، لكن نظريات أحدث طرحت أسبابًا أقل درامية، منها محاولة إضفاء الشرعية على وريث ذكر أو تقويض شرعية امرأة قوية.

في مقال نُشر في مجلة Antiquity في يونيو الماضي، يعرض جون يي وانغ، طالب الدكتوراه في علم مصر بجامعة تورونتو، تفسيرًا أكثر تفصيلًا للأضرار. بإعادة تقييم سجلات التنقيب، يكتب أن تحتمس الثالث كان بالفعل مسؤولًا عن إزالة اسم وصورة حتشبسوت من جدران المعابد، لكن دوافعه تظل محل جدل.

في رأي وانغ، لم يكن هناك سبب واحد لتلف تماثيل حتشبسوت. فالكسر المتعمد عند الرقبة والخصر والركبتين يشير إلى ما يسميه “تعطيلًا” طقسيًا لقواها الروحية على يد تحتمس الثالث، بينما قد يكون كثير من الأضرار اللاحقة نتيجة لإعادة استخدام التماثيل المعطلة كمادة خام للبناء أو كحشو للإنشاءات.

يخلص وانغ إلى أنه رغم أن حتشبسوت تعرضت لمستوى أعلى من الاضطهاد بعد موتها مقارنة ببعض الحكام الآخرين، فإن أعمال تحتمس الثالث — التي اقتصرت إلى حد بعيد على المعابد الكبرى — كانت على الأرجح مُنطلقة من حاجة طقسية أكثر منها عداوة شخصية، وأن جزءًا كبيرًا من التلف الذي لحق بصورها كان عرضيًا لا مقصودًا.

يقرأ  لم تنقلها الأنهار الجليدية… بل البشر نقلوا صخور ستونهنج لبنائه

«باقي الاعتداءات على صورتها واسمها كانت في الجوهر بمثابة مسح أو إعادة نسب لملكتها الذكورية، أما تجسيداتها السابقة بصفة الملكة فلم تُمس إلا نادرًا»، قال بيتر ف. دورمان، أستاذ علم المصريات واللغات والحضارات القريبة من الشرق المتقاعد بجامعة شيكاغو، لصحيفة نيويورك تايمز التي تناولت بحث وانغ أمس. «مثل هذه التفاصيل الدقيقة حاسمة في تفسير السياق السياسي للتاريخ القديم.»

أضف تعليق