تناغم الفوضى فن سام جيبونز

التناظر جزء لا يتجزأ من هذا العالم. حين أتأمل لوحة نموذجية لِـسام جيبونز، تتبلور أمامي قوى بسيطة عديدة متناحرة: نصف وجْه يتبارى مع النصف الآخر، اليد اليمنى تُقبض كأنها تتحدّى اليسرى، وخطان من الأطفال المتماثلين يتصارعان في لعبة شدّ الحبل. التوازن الناتج بكل فجاجته وجماله يدهش. لوحة «سيكهيد» مثلاً هي هجوم بصري مهيب من صور مريعة منصهرة بألوان من التيال والرمادي؛ خِرامير أنوف، شوكات، ذئاب شرسة وأفواه متسعة تكوّن مناخاً معقَّداً يزداد تشابكاً حتى يصل إلى مركز التركيز. عند نقطة الارتكاز تظهر رأس شبيهة بمِكي ماوس مقسومة إلى نصفين، بداخلها مخلوق ذو مجسّات يُغالب المرء على افتراض أنه شيطاني بطبيعته. غريب وسريالي، ومع ذلك له منطق داخليٍ واضح.

في البدايات كان عملي أكثر سَرْياًًّة في السرد مما هو عليه الآن. لم تكن هناك شخصيات متكررة بالمعنى الحرفي، لكن الطابع كان كرتونياً ويتناول قصصاً شخصية. مع الوقت تغير ذلك؛ لم أرغب أن تهيمن السردية على اللوحة، فاضطررت للتفكير في وسيلة لإبطالها أو تحييدها. إدخال المشاهد داخل تصميم متناظر بمثابة طمس للسرد، فيجعل الاهتمام ينتقل إلى الشكل واللون، أو إلى الحجم والبنية.

«ما زلت أحب روبرت كروم وبيتر باج، فواصلت العمل والرسم حتى ضخمت العالمين إلى شيء خاص بي.»

من الأسباب الكبيرة لِلجوءي إلى التناظر كانت لوحة نفذتها عندما بدأت دراستي العليا، مستلهمة من العمل الشهير لِـجان فان إيك المسمّى «المذبح الغنتي». هو عمل متناظر يصوّر مشاهد متعدّدة: آدم وحواء، قابيل وهابيل، البشارة لمريم… بنيت قطعة مستمدة من ذلك حول العلاقة بين الذكر والأنثى، والخير والشر. حينها بدأت أرى إمكانيات لا نهائية لما يمكنني إنجازه عبر التناظر.

الثراء الزخرفي في الرسوم، وذوق جيبونز في الأيقونات والرموز يذكّران بتصوير شاعر دي كواليس هولندي من القرن الخامس عشر، هيرونيموس بوش. أعمال بوش مثقلة بتصوير الفساد والشهوية والإخفاقات الأخلاقية للإنسان. أشهر أعماله «حديقة الملذات الدنيوية» تعليق معقّد على الخطُّ الرفيع بين الخير والشر، عرضٌ لبراءة بشرية غير واعية للعواقب، وليس بعيداً عن حساسية جيبونز. «بوش؟» يقول جيبونز، «نعم، رائع؛ وشخصياته معطوبة أيضاً.»

يقرأ  المعرض الوطني للفنون يغلق أبوابه إثر تعطّل عمل الحكومة

السخرية عامل أساسي آخر في لوحات جيبونز. شياطين عسلية المظهر تحمل أسلحة تندمج مع كلاب هادئة في لوحة بعنوان «بون هيرو». سياسية ترفع ذراع التحية أمام مقبرة من العظام في «فلاج ويزارد». ولا يغيب عن اللوحات التلميح الجنسي والعنفي وثقافة البوب بطريقتها الواضحة.

«لوحاتي جزئياً، لكن ليست كلياً، ساخرة. هناك سَرْدِيَّتي الشخصية أيضاً. في السلسلة الأخيرة التي عملت عليها ظهرت ومضات من الأعلام الأمريكية، وأناس يتزاوجون، وعنف، لكنها صادفت أن تكون فترة قاسية في حياتي حينها: تشخّصت والدتي بالسرطان وتوفيت تقريباً في نفس فترة العمل على تلك السلسلة. فسرتُ على وضع القيادة الآلية واستمررت في الرسم. الآن، حين أنظر إليها مجتمعة، أرى موتاً متكرِّراً في الأعمال. لم أبدأ بهدف التعليق على أمور بعينها، لكنها تظهر بطريقتها الخاصة.»

الثقافة الشعبية تتسرّب دائماً إلى مسامات التفسير الشخصي، وتستثير الإلهام بطرق غير متوقعة. «أشاهد الكثير من الرسوم المتحركة. الكثير من برامج أدالت سويم مثل أكوا تين هانغر فورس، رين وستمبي، ساوث بارك… لا أدري إن كانت كلها مصدر إلهام، لكنني أستمتع أيضاً بمشاهدة فنون آخرين. كما ذكرتُ، أحب بيتر سول، والكوميكس البديل، وكتب بيتر باج الغاضبة وشخصيته التي أنشأها، بادي برادلي. لِباج أسلوب مبالغ وحركي في رسم الشخصيات؛ يغضبون بشراسة ويتضخّم تعبيرهم. أسنانهم تصبح حادة عندما يثورون، وهذه سمة ظهرت في عملي: كثير من الأسنان الحادة. تفاصيل صغيرة كهذه.»

جانِب مهم آخر في عمل جيبونز هو قراره مقاطعة القماش التقليدي. اختار العمل على ألواح لباد متوسطة الكثافة تُقصّ حسب المحيط الدقيق لكل لوحة، فكانت النتيجة كرنفالاً لأشكال وشخصيات عفوية لا تُقَيَّد بالحدود.

«كنت أستخدم قماشات مستطيلة لكنّ الرسوم ازدادت تعقيداً، وحُشرت أطراف العملل في مساحات مغلقة. في ذلك الوقت كنت أعمل لصالح فرانك ستيلا؛ صديقي حصل لي على الوظيفة وكُلفنا ببناء ألواح دعم كبيرة من أجل كوليجات الدخان التي كان يصنعها، تلك الكولاجات الورقية الضخمة ذات الحواف غير النظامية. كان يحتاج إلى دعم لها، فقصصنا ألواحاً كبيرة بمنشار كهربائي، وضعناها على قواعد وثبتنا الأعمال الورقية عليها مباشرة. فكرت: «قد ينجح هذا مع الرسوم التي أعمل عليها.» كنت أفكر أيضاً في مشروع أطروحتي. العمل مع ستيلا جعلني أدرك أنني أستطيع أن أنقل هذه الطريقة إلى لوحات مُعلّقة على الحائط.»

يقرأ  ناجي من جريمة قتل بفعل فطر سام يروي أمام المحكمة أثر وجبة الغداء

أضف تعليق