يقول الفنان تود شور إن عدم الاطمئنان الذي بدا أنه استولى على العالم في السنوات الأخيرة قد تسلل بلا ريب إلى عمله، ويبدو ذلك جليًا في لوحاته الأحدث.
في “سفريات السذج” تتبلور رؤيته بكثافة: القرد، الذي يعود مرارًا وما يزال محورًا لشغفه، يحمل الأرض المسطحة بين راحتيه. فوق القرص الجغرافي يجثم رجلٌ أحمق يبكي بفمٍ مشرع ويرش رذاذ لعابه على هيئة شعار موقع تويتر، بينما يقف القرد على ظهر وحش بحيرة لوخ نيس أمام جمهور من الجنيات الراقصة ومرّيخٍ تائه وحورية ثرية الجسد — والاثنان، القرد ونيسي، منبهران بعري الحورية. خلفية المشهد تملأها أشباح في مقبرة، وعاء للكنز يفيض قوس قزحًا ينتهي بوحيد القرن، وستارة مطوية مرسوم عليها كواكب ونجوم تغطي كونًا أعمق وأكثر غموضًا. اللّوحة (اللوحه) تحمل سمات شور المألوفة: طقم من ملامح أمريكا في منتصف القرن، مفاجآت غريبة ومرعبة، ومزج بين واقعية دقيقة وأسلوب مبالغ فيه.
إذا ما قورنت هذه الأعمال بنتاجه القديم، يظهر هامش جديد من القلق. عناصره المميزة — القرود والبيض والبين آب والإيماءات إلى تاريخ الفن وومضة من السيرة الذاتية — ما زالت موجودة، لكن الفرح الصريح الذي ميّز لوحاته المبكرة تبدّل إلى شعور مقلق وغامض. يقول شور: “البقاء على اطلاع بالأحداث العالمية والثقافة أولوية بالنسبة لي. هناك زيادة عامة في مستوى الجهل والغباء الذي يبدو أنه اخترق بعض العقول مؤخرًا. أين ذهبت المعرفة العامة؟”
يتكرر رمز اللعاب في لوحة أخرى حديثة له بعنوان “مستنزف البصاق”. هنا نواجه مرّيخيًا آخر برفقة فارس، أمام مهرج عملاق بفم متعفن يتساقط منه سيل من اللعاب على الأرضيين أدناه، ويصاحب المشهد سيرك واسع الخيمة يرتفع في السماء. المشهد الكلي قريب بصريًا من عالم القرد ونيسي في “سفريات السذج”: أرض جافة، حياة قاسية، ومشهد عام يشي بالتضليل والسذاجة الجماعية.
عمل شور كان دائمًا مزيجًا شبيهًا بالطعام المطبوخ على نار هادئة: رشة من هذا، ومقدار من ذاك، ثم كل شيء يتآلف بطريقة تبدو سحرية — أو بالأحرى نتيجة سنوات من العمل على أسلوبه الخاص منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين ترك وظيفة مريحة كمصوِّر محترف ليتفرغ لما في قلبه من فن.
وراء ذلك الأسلوب الذي يأسرنا بتكويناته المتقنة ومزاياه الشاعرية، توجد ضمير يقظ يهتم بحال العالم. خذ مثلاً “أرض السحر” (2022): مشهد متفرجين يشاهدون اختبارًا نوويًا من رأس صخرة؛ مطعم برغر يحمل اسم OPPIE’S وماسكوت ضخم على غرار Bob’s Big Boy بوجه مُحاكٍ للجسوربرت أوبنهايمر، صاحب مشروع بناء القنبلة الذرية في مختبرات لوس ألاموس. أوبّي الكبير يحمل صينية برغر وزجاجة مفتوحة، ومن داخلها يتجسّد جن قاسي يُدفئ يديه على سحابة الفطر الناتجة عن تفجير نووي أدنى الوادي. هذه ذاكرة طفولة: لاحقًا يروي شور أنه نشأ في أواخر الخمسينيات والستينيات حين كان احتمال الدمار النووي أمرًا واقعًا، مع تدريبات “انحنِ وغطِ” وملجأ قنبلة يلعبون فيه أحيانًا. تلك التجربة تركت أثرًا عميقًا، والتهديد ما زال قائمًا، وإن كان بلا جدوى حقيقية في تحقيق نتيجة إيجابية لأي طرف يختار هذا الطريق.
الفطر يتكرر رمزًا في أعماله: كدلالة ولادة وتحلل، وكصورة تشبه سحابة الهلاك النووي. لوحة 2013 “فطريات أينشتاين” تشير ضمنيًّا إلى طاقة نووية قادرة على الخير والشر، فنرى أينشتاين يجمع فطرًا مرتديًا ال Lederhosen وكبير الرأس كما لو رسمته كاريكاتيريات الملاهي.
بالفع، يسأل المرء: أيّ فطرٍ كان سيكشفه أينشتاين؟ الفطر الذي يحول نفايات عالمنا إلى غذاء، والفطر الذي يكرر شكل سحابة الموت. كان أينشتاين عقلًا نابغًا يبحث عن المعرفة؛ لكن هل استوعب تمامًا الرعب الذي قد يستدعيه بحثه يومًا؟
يصرح شور: “محاولتي لفهم مكاني في هذا الكون تبقيني في سعي دائم لتعلم مواضيع جديدة وتوسيع معرفتي. لن أجد إجابات في الدين أو نظريات المؤامرة نصف المطبوخة. بالنسبة لي، البحث اللامتناهي عن العجب في العالم الطبيعي والمصنوع يبقي خيالي خصبًا، وكل ذلك سيجد طريقه إلى لوحات قادمة.”
توقّعوا المزيد من شور قريبًا: يعمل حاليًا على مجموعات جديدة ستُعرض في صالة ومع احتمال ظهور كتاب. على تلك الجدران وداخل تلك الصفحات سنجد بلا ريب صورًا تمزج الرهبة بالأمل، تدعونا في رحلة حلمية إلى عالم تود شور — رحلة تغيّر من ينخرط فيها وتجعل كل جمهور يطالب بالمزيد.
نُشر هذا المقال أصلاً في مجلة Hi‑Fructose، العدد 77، والمتاح في الطبعة الورقية.