حكايات جديدة من دفاتر المحاسبة العتيقة لتيران لاست غان

نشأت في شمال غرب المحيط الهادئ، وكان أول عبور لي للحدود سيراً على الأقدام من الولايات المتحدة إلى كندا. أذكر أنني شعرت بالتوتر وأنا أمدّ جواز سفري، ثم انتهى الأمر في غمضة عين عند البوابة الدوّارة. أما تيران لاست غان، من شعب بيكاني، فقد نشأ في محمية بلاكفيت الهندية في مونتانا، على بُعد أقل من ساعة بالسيارة من الحدود، لكنه نادراً ما قام بالعبور نفسه في شبابه.

خلال التوسع الأمريكي نحو الغرب، امتد خط الحدود على مراحل على طول خط العرض 49، وقسّم في النهاية مراعي أجداد لاست غان، الذين يعيش أقاربهم اليوم على الجانبين. في منتصف القرن التاسع عشر، كان شعب بلاكفوت يعبر هذه المنطقة بحرية، متسللاً إلى الأراضي البريطانية لتفادي جيش الولايات المتحدة. وبسبب هذا الأثر الذي كان يخفف عنهم وطأة المطاردة، أطلقوا على الحدود اسم «خط الطب». أما اليوم، فالتنقل في المنطقة نفسها يتطلب، على حد ما سمعه لاست غان من أصدقائه من بلاكفيت، «الكثير من إبراز الأوراق».

استوديو لاست غان في سانتا في، نيومكسيكو، مكتظّ بالدفاتر المحاسبية القديمة، وهي بمثابة السجلات الفعلية لعملية الضم، وكثير منها من مونتانا. بخطٍّ متصل ضيق، توثق هذه الدفاتر زحف شبكة الاستعمار الاستيطاني فوق السهول الكبرى، إلى جانب شتى التواريخ الصغيرة. قال لاست غان: «كانت هناك ملاحظة في أحدها. حاول شخص ما محوها، لكنني ما زلت أستطيع قراءتها. كانت وكأنها بلاغ جريمة: “ضربها”».

بالحبر وأقلام ملونة، يطبع لاست غان أشكالاً هندسية واضحة على صفحات يقتطعها من المجلدات التي يجمعها. بعض الحقول مسطّحة كما في أعمال إلسوورث كيلي، وبعضها الآخر يُظهر آلاف اللمسات التي تزحف على خلايا الدفتر المرتّبة. تحمل الشبكات الأساسية توتراً تاريخياً هائلاً لدرجة أن أي إضافة إليها تبدو مشحونة، وهو ما يفتح للفنان مساحة لعب غير متوقعة وهادئة.

يقرأ  متحف بالم سبرينغز للفنون يفنّد ادعاءات مُبلّغ عن المخالفات

يستحضر لاست غان زخارف بصرية مرتبطة بخيام البلاكفوت، وجلودهم، وقمصانهم الحربية، لكنه يقتطفها وينمّقها حتى لا تكشف عن سياقاتها المقدسة «أكثر من اللازم». قال: «أحياناً أتمنى لو استطعت مشاركة المزيد». كما يحيل إلى رسامي حقول اللون وصنّاع المطبوعات الذين تعرّف إليهم خلال دراسته في معهد الفنون الهندية الأميركية في سانتا في، حيث تخرّج بشهادة في دراسات المتاحف عام 2016. وفي العام الماضي، أنجز ضمن بينالي سايت سانتا في الأخير سلسلة مستوحاة من جماعة الرسم المتعالي، وهي جماعة قصيرة العمر من الجنوب الغربي، كانت تجريداتها الجوّية تشع بتفاؤل مفجع يعود إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية.

عمل لاست غان انزياحٌ عن فن الدفاتر، وهو تقليد من تقاليد هنود السهول الكبرى؛ ففي أواخر القرن التاسع عشر، تكيّف فنانون مع الحجز في المحميات بتقديم فن سردي على دفاتر المحاسبة بدلاً من الجلود. النماذج التاريخية تعرض في معظمها صوراً تشخيصية على صفحات فارغة، بينما يميل لاست غان إلى هندسيات توحي بهندسة منتصف القرن، وفنون سطح المكتب الرقمية، وأشرطة التعتيم المبهجة.

خلال زيارتنا للاستوديو، رفع لاست غان صفحة من دفتر نحو النافذة ليُظهر علامتها المائية. قال عن مجموعة صفحات من مقاطعة بلاين في شمال مونتانا، وهي أرض أجداد البلاكفيت لكنها ليست جزءاً من المحمية: «إنها أشياء حرفية بحد ذاتها». وأضاف: «لم تكن هذه الوثائق في متناول شعبي. كانت أوقاتاً مظلمة. من المثير حقاً أن أصبح لديّ إمكان الوصول إليها الآن». وشبّه هذا الشعور بأنه يمسك بيديه قطعة مستعادة من مونتانا.

أضف تعليق