سخرية مرحة من عالم الفن الخاوٍ

ذا غاليريست — سخرية فنية لامعة ومحرّكة

تدور حبكة الفيلم حول بولينا بولينسكي (نتالي بورتمان)، صاحبة معرض متعثرة توشك على الإفلاس، وتراهن بكل ما تملك على عرض افتتاحي لفنان واحد في آرت بازل ميامي بيتش. في لحظة كوميدية سوداوية، يهلك مؤثر فني مزعج باسم دالتون هارديبيري (زاك جاليفياناكيس) عن طريق حادث عَرَضي، ويتزامن ذلك مع وصول التاجرة الأسطورية ماريان غورمان (كاثرين زيتا-جونز) — شخصية تذكّر اسمه إلى حد كبير بالتُجّارة الراحلة مريان جودمان. ما يبدُو في بادئ الأمر كارثة يتحوّل إلى كوميديا عبثية حين تتآمر بولينا ومساعدتها كيكي (جينا أورتيغا) لخداع زبائن أثرياء والادعاء بأن جثة دالتون جزء من التركيب النحتي الذي طُعن فيه، والمعنون بـ«المخصي» (The Emasculator).

المخرجـة كاثي يان، المعروفة بفيلم الأبطال الخارقين Birds of Prey (2020)، تخوض هنا منعطفًا جريئًا؛ عرض الفيلم الأول أقيم في مهرجان صاندانس السينمائي، ويمثل خروجًا ملحوظًا عن أعمالها السابقة. التشكيلة التمثيلية مُحكمة: بورتمان تؤدي دورها بأناقة عصبية تناسب شخصيتها، لكن من يسرق المشهد بشكل واضح هو جاليفياناكيس، الذي تعودنا رؤيته في كوميديات جريئة أواخر العقد الأول من الألفية.

مشاهد عشّاق عالم الفن ستستمتع بالسخرية الدقيقة من هذا الوسط، لكنّ بعض الاختصارات السردية قد تزعج من يعرف خفايا هذا العالم. هل سبق أن شهدنا مزادًا ارتجاليًا لقطعة واحدة في وسط معرض يوم الافتتاح؟ الأمر يَظهر غير واقعي. أما المشاهدون الأقل دراية فقد يضجرون من استدعاءات لمصطلحات داخلية مثل الـ”فريبورتس” (مخازن فنية معفاة من الضرائب)، التي تُذكر دون تفسير كافٍ بينما تشكل محورًا محوريًا في حبكة الفيلم. ومع ذلك، فإنّ متعة المشاهدة تكفي للتغاضي عن هذه الحُرّيات.

الفيلم جميل بصريًا: التصوير ديناميكي، نابض بألوان البوب ومصقول، والكتابة محكمة الإيقاع. لكن الفيلم يفشل أخيرًا في تجاوز طبقه السطحي؛ مسلٍّ بقدر ما هو فارغ نفسيًا.

يقرأ  سوذبيز تعقد مزادها الثاني في السعودية يناير المقبل — هذه المرة للأعمال الفنية فقط دون سلع فاخرة

تستند الدراما إلى فرضية أن بولينا مولعة بالفن إلى حد الهوس — لدرجة أن طليقها (ستيرلينغ ك. براون) يصرّ أن زواجهما انتهى لأن ولعها بالفن طغى على كل شيء آخر. مع ذلك، الاقناع الدرامي لهذا الادعاء ضئيل؛ الفيلم يقدم دلائل قليلة على اهتمام بولينا بالفن ذاته، سوى إحالات عامة غامرة. لا تُعرض لديها أفكار جمالية محددة ولا مواقف ذوقية واضحة، وحتى محاولاتها لتسويق الفنانة التي تمثلها، ستيلا بورغس (دا’فاين جوى راندولف)، تظل عبارات مبتذلة قابلة لأن تنطبق على أي فنان معاصر تقريبًا.

ستيلا هي أكثر الشخصيات صدقًا في الفيلم؛ تواجه باستمرار تهميشًا غير مرغوب فيه لأعمالها وتدافع عن تماثيلها ضد تحويلها إلى لافتة استعراضية. عملها المفضّل في العرض لوحة متواضعة البُعد لِـبقرة، وهي غير مهتمة بالمال ولا ترغب — كما يبدو — أن تنتهي كعاملة تنظيف في نيو جيرسي. تدريجيًا تستسلم لمؤامرة بولينسكي وتقبل شيكًا ضخمًا. الذروة الدرامية تحدث عندما تلقي ستيلا خطابًا عاطفيًا عن نزاهة الفن لصرف أنظار الحضور بينما تسحب بولينا وماريان وكيكي «المخصي» من الأنظار. تصف ستيلا إدراكًا مفاده أن الشكل النهائي للعمل الفني قد يتجاوز سيطرة الخالق: «الشيء الذي ظننت أنك صنعته، صنع نفسه». حجّة جيدة، لكنّ من يتبنّى عكسها حقًا؟

سطحية هذا الاكتشاف تكشف عن مشكلة أعمق في السرد: الشخصيات لا تتطوّر بدرجة ذات مغزى. ينتهي معظمهم أغنياء، وينتهي أحدهم ميتًا، لكن لا يبدو أن أحدًا تعلّم الكثير. تظهر بعض مؤشرات التغيير في النهاية، حين يُكشَف أن طليق بولينا اشترى لوحة البقرة المحبوبة لدى ستيلا، رغم تصويره سابقًا كرجل ثري غير متناسب مع الذوق الفني. برأيي، كانت تلك اللحظة لتكون أقوى لو تُركت اللوحة غير مرئية وانبرى الجمهور ليتخيل مظهرها من خلال حنين الفنانة لها؛ إظهار العمل يجعل المشاهد يتساءل: هل هذه هي صورة الفن الجيد بحسب هذا الفيلم؟

يقرأ  قريبًاصدور العدد 76 من هاي فروكتوز!

على الرغم من عيوبه، يظل ذا غاليريست رحلة مسلية عبر مهاترات وسخف عالم الفن المعاصر — ثمار سهلة لكنها قُطفت بأناقة. وبخلاف متعته السطحية، يُشكّل الفيلم ترنيمة للتعاون النسوي وانتصار المرة على الصعاب. في عالم يهيمن عليه الرجال، تملك كل امرأة هنا شيئًا لتثبته، ويبدو أن مواجهة قاتلة مع الفن المعاصر قد تكون الوسيلة.

أضف تعليق