سوق الفن الأميركي أظهر مؤشرات تعافٍ في عام 2025. ارتفعت مبيعات المزايدات بنسبة تقارب 23% عن العام السابق لتصل إلى نحو 3.17 مليار دولار، بحسب تقرير صادر عن بنك أوف أميركا وشركة التحليلات ArtTactic. لكن هذا الارتفاع لم ينبع من اندفاع مفاجئ في الطلب؛ بل جاء بفعل توافد مجموعات أوقاف كبيرة إلى المزاد، وتجدد الاهتمام بفنانين تاريخيين معروفين، ونظام مزادات يعتمد بشكل متزايد على ضمانات مالية.
السوق يبدو وكأنه يستقر، لكن في شكل مختلف جذرياً عما كان عليه طفرة المضاربة في السنوات الأولى من هذا العقد.
موجز التقرير
التقرير يشي بأن سوق الفن يدخل مرحلة أكثر تحفظاً. ففورة المضاربة التي دفعت أسعار الفنانين الشباب إلى مستويات مفرطة في بداية العقد بدأت تفقد زخمها. اليوم تعوّل دور المزادات أكثر من أي وقت مضى على الضمانات المالية لتأمين قطع ذات قيمة عالية. والمشترون يتوزعون جغرافياً بشكل أوسع عبر البلاد بدلاً من التركز في مراكز تقليدية مثل نيويورك. بالنسبة لتجار الفن والمقتنين والفنانين الساعين لفهم وضع السوق الحالي، قد تكون هذه التحولات أهم من أرقام المبيعات الرئيسية التي يلتف الناس حولها.
تحوّل المشترين نحو الأسماء الراسخة
في ذروة ازدهار السوق خلال جائحة كورونا، أصبح نظام “الشراء لإعادة البيع” بعد عام أو عامين أمراً شائعاً. هذا النمط من المضاربة بات أكثر خطورة الآن. وبحسب التقرير، فقدت الأعمال المعاد بيعها خلال فترة خمس سنوات بعد شرائها، في المتوسط، عوائد سنوية سالبة في 2025 بنحو 5.7% سنوياً، بينما استمرّت الأعمال المحفوظة لأكثر من عقد في تحقيق مكاسب إيجابية.
هذا التحول أعاد تشكيل تفضيلات المقتنين: فالفئات التاريخية مثل الانطباعية والحداثة شهدت نمواً قوياً، في حين انكمش سوق الفنانين المعاصرين الشباب بشدة — تراجعت مبيعات شريحة “المعاصر الشاب” بنحو 40% تقريباً. الرسالة واضحة: بعد سنوات من المضاربة، يعود المقتنون للثقة بالأسماء الراسخة وفترات الاحتفاظ الأطول.
الضمانات المالية وتحوّل هيكلة المزادات
تطورت دور الضمانات المالية إلى عامل محوري في دورة المزاد. الضمانات هي اتفاقات تضمن للبائعين سعراً أدنى حتى لو تحقق نشاط مزايدات أقل من المتوقع. في 2025، كان ما يقرب من 80% من قيمة مزادات المساء في نيويورك مدعومة بضمانات — أعلى نسبة منذ 2015. والأهم من ذلك أن نحو 97% من القِطع المضمونة كانت مدعومة من مستثمرين طرف ثالث، لا من دور المزادات نفسها.
هذا الترتيب يساعد دور المزادات على تأمين مجموعات كبرى مع تقليل المخاطر المالية المباشرة عليها، لكنه أيضاً يعني أن مجموعات ومؤسسات مالية خارجية بدأت تكتسب دوراً أكبر في تمويل صفقات السوق الكبرى، ما يقلل من عنصر المفاجأة في المؤشر العام للمزادات.
مؤلفات أحادية المالك كمصدر للعرض
ساهمت مبيعات مجموعات مملوكة لفرد واحد أو لعائلات، غالباً ما تم جمعها على مدار عقود، في دفع إجماليات المزادات. هذه المجموعات المتخصصة تتضمن في كثير من الأحيان أعمالاً بمستوى متاحف نادراً ما تظهر في السوق، ما يولّد تنافساً شديداً بين المزايدين عند ظهورها.
تغيرات ديموغرافية وجغرافية
المسألة في جوهرها ديموغرافية: كثير من أهم المجموعات الخاصة في الولايات المتحدة جُمعت بواسطة جيل الطفرة السكانية (بيبي بومرز) في أواخر القرن العشرين. ومع تقسيم هذه المجموعات بين الورثة أو التبرع بها للمتاحف أو طرحها للبيع، قد نشهد تدفقاً ثابتاً من أوقاف عالية القيمة إلى السوق.
كما يقترح التقرير أن جغرافية الشراء تتبدل داخل الولايات المتحدة: مشترو الغرب الأميركي — كاليفورنيا وواشنطن وأريزونا — مثلوا أكبر حصة من المشتريات في 2025، بنسبة تقارب 35% من الإجمالي. وفي الوقت نفسه، فقد الشرق الشمالي حصته تدريجياً خلال العقد الماضي؛ ففي 2015 كان المقتنون في تلك المنطقة يمثلون أكثر من نصف المشتريات التي تتجاوز قيمتها مليون دولار، أما في 2025 فقلّت حصتهم إلى نحو ثلث. ارتفاع الثروات في ولايات مثل فلوريدا وتكساس، ونمو منظومة فنية في مدن مثل لوس أنجلوس وميامي، ساعد على إعادة توزيع القوة الشرائية عبر البلاد.
الفن كاستثمار: واقع أدنى من التوقعات
التقرير يتحدى الادعاء الطويل الأمد بأن الفن استثمار مالي قوي. في 2025، حققت الأعمال المعاد بيعها في المزاد عائداً سنوياً متوسطاً بنحو 4.4%، بانخفاض من 5.3% في العام السابق. بالمقارنة، ارتفع مؤشر S&P 500 بنحو 16% خلال الفترة نفسها. وهذه الأرقام قبل احتساب التكاليف المرتبطة بامتلاك الفن — التخزين، التأمين، وعمولات المزاد — التي تقلل الأرباح بشكل أكبر.
الخلاصة
البيانات توحي بأن الفن قادر على تحقيق مكاسب مهمة على مدى فترات طويلة، لكنه أقل موثوقية كاستثمار قصير الأجل مما يدّعيه كثير من المشاركين في السوق. ان العودة إلى الأسماء التاريخية، وزيادة الاعتماد على الضمانات، وتوزع المشترين جغرافياً وديموغرافياً، كلها مؤشرات على سوق يتعامل الآن مع المخاطر بطريقة أكثر تحفظاً ويعيد ضبط أولوياته الاستثمارية والمضمونية.