صور فرانسوا-كزافييه غبريه تملأ فراغات التاريخ

«ما أحاول أن أحققه من خلال عملي هو سد الفراغات العديدة في التاريخ، وسرد التاريخ بطرق مختلفة»، قال الفنان فرانسوا-كزافييه جبريه خلال حديث عبر مكالمة فيديو.

كان من المناسب أن يأتي هذا التصريح منه، فالكثير من المعلومات في أفريقيا ما تزال تُنقل شفهياً من كبار السن إلى الأجيال اليافعة. وُلد فرانسوا-كزافييه في فرنسا لأب وأم فرنسيين وإيفواريين، ويستعمل فنه للحفاظ على «ذاكرة القارة». وأضاف: «هذه الرواية تحتاج إلى أن تُكتب. ويمكن كتابتها بالكلمات، لكنها يمكن أن تُروى أيضاً بالصور».

مقالات ذات صلة

بعد أيام من مقابلته مع ARTnews، في أواخر يناير، عرضت سلسلة «راديو بالاست» لأول مرة في الولايات المتحدة ضمن معرض ثنائي مع الفنان الإيفواري Nuits Balnéaires في المركز الدولي للتصوير (ICP)، بإشراف ديفيد كامباني. يتناول هذا المشروع شبكة السكك الحديدية التي شقّها المستوطنون الفرنسيون في ساحل العاج قبل أكثر من قرن لنقل المعادن المستخرجة إلى ميناء آبيدجان، وهو عمل بصري مؤثر لا سيما أن جدّ غبريه كان عاملاً في السكك الحديدية وأن للفنان هاجساً عمره كله نحو القطارات.

نشأت الفكرة في أوائل عقد 2010 حين كان يعيش في مالي بالقرب من محطة قطارات. ولمدّة تقارب السنة ابتداءً من 2024، صور غبريه خط السكة والمناظر المحيطة به من شمال ساحل العاج إلى جنوبه، متسائلاً عبر عدسته عن تاريخ البلاد من الاستعمار إلى الاستقلال وصولاً إلى مسارات الحداثة. يشير عنوان السلسلة إلى الروايات غير المروية وإلى الحصى المسحوق الموضوع أسفل القضبان.

«كنت أدرس الصناعة الجديدة، والقرى التي تحوّلت إلى مدن بفضل القطارات. كنت أنظر أيضاً إلى محطات القطارات الأولى التي شُيّدت قبل أكثر من قرن»، قال غبريه. «ثم تأملت العمارة الحديثة، لأنّ عندما حصلت ساحل العاج على استقلالها قرر فيليكس هوفويت-بوانيي تعديل هذه المحطة لجعلها عصرية، كما فعل في مدينة أبيدجان».

يقرأ  رحيل مؤرخ فنون وفاعل خيرعن عمر يناهز ٨٩ عاماً

لم تخلو عملية التصوير من صعوبات: بعض عمال السكة لم يبدوا ارتياحهم لوجود غبريه يلتقط الصور، جزئياً لكونهم لم يعرفوا عمله أو هدف مشروعه. ساعدت الفنانة والوزيرة الإيفوارية للثقافة فرانسواز ريمارك المصوّر في الحصول على تصاريح الولوج بعدما اطلعت على أعماله في معارض أبيدجان وبينالي فينيسيا 2024.

قال كامباني، المدير الإبداعي للمركز الدولي للتصوير، إن غبريه يجسّد «الماضي بمعناه السياسي، وكذلك بمنظور اقتصادي وثقافي. فرانسوا-كزافييه يفهم التصوير الفوتوغرافي تقريباً كعلم آثار. لقد طور بالفعل طريقة فكرية متطورة حول كيف يمكن لصورة مصوّرة في الحاضر أن تكون بوابة للتأمل في الماضي».

وُلد غبريه عام 1978 في مدينة ليل الفرنسية ولم يكن ينوي في البداية أن يصبح مصوّراً. بعد أن كسَرت كتفه أثناء لعب كرة القدم دعا صديق له إلى مختبر تصوير، ومن هناك بدأ مشواره في التصوير عام 2000 مصوّراً مدينته بالأبيض والأسود. ولما أدرك أنه لم يعد مهتماً بالاستمرار في الجامعة ترك صفوف علم الأحياء ليلتحق بكلية Métiers Artistiques العليا في مونبيليه بين 2000 و2002. ثم عمل مساعداً لدى مصورين آخرين في ميلانو مختصين في الأزياء والجمال والتصميم والمناظر الطبيعية والعمارة؛ وميّزه حبه الدائم للعمارة فنجذب إلى التصوير المعماري والطبيعي، فبحلول 2007 اتخذ قراراً مهنياً بالتركيز على هذين المجالين.

«عندما تكون مصوراً ناشئاً تبحث عن أسلوب، عن شيء ترويه وكيف ترويه وما الذي تود قوله حقاً. كنت مصوراً عاماً، ألتقط صوراً شخصية، وأزياء، ومناظر. كان مزيجاً من أشياء كثيرة ولم يكن واضحاً جداً. ثم أحببت العمل مع مصورين يركّزون على العمارة والتصميم فبدأت أعي أن هذا هو ما أريد فعلاً»، استعاد غبريه ذكرياته. «عندما تتجوّل تكون حراً إلى حدّ ما، لست محصوراً داخل الاستوديو، ويمكنك أن تذهب حيث تشاء. أحببت العمارة منذ البداية، وكنت أرسم، وأحببت الهندسة في المدرسة، فعدتني تلك النزعة».

يقرأ  مسابقة نيكون للتصوير المجهري تكشف عن عوالم شاسعةٍ مخفيةصورٌ مجهريةٌ هائلة

بعد سنوات من العمل في إيطاليا انتقل غبريه إلى أفريقيا: أولاً إلى باماكو عاصمة مالي، ثم إلى مدينة أبيدجان حيث يقيم ويعمل حالياً إلى جانب لا روشيل في فرنسا. وممارسته المهنية تتضمّن أحياناً تنقلاً إلى بلدان أخرى مثل مدغشقر.

في 2023 دُعي من قبل Fondation H، مؤسسة فنية ملغاشية لها فروع في أنتاناناريفو وباريس، لإقامة فنية حول التراث المعماري للعاصمة السابقة لمدغشقر. روى أنه كان «حراً في التجوال داخل المدينة» أثناء الإقامة. ثم خرجت إلى نور المعرض بعنوان «Lova» أي «الترات» بلغة المالاغاشي. ضمّ العرض أعمالاً التقطها خلال وجوده في أنتاناناريفو، تناولت عمارة المدينة وبقايا الاستعمار؛ صور لا تروِ أحداث الماضي بالمباشرة، بل تصوّر الأماكن التي تحمل في طياتها التاريخ. «إنه رحّال. يعمل وكأنّ لديه خريطة في ذهنه. لا يمكن لفرانسوا-زاڤييه غبرِ أن يضيع في مدينة ولو كانت جديدة عليه»، قالت سيسيل فاخوري، مؤسِّسة الصالة التي تحمل اسمها والتي تمثّل غبرِ منذ نحو خمسة عشر عاماً. «صورُه الدقيقة غنية بالتاريخ؛ يلتقط من خلال المشهد والطّبائع العمرانية قصة إنسانيتنا.»

اكتشفت فاخوري أعمال غبرِ خلال فترة بحثية عام 2012 قبل افتتاح معرضها في ابيدجان، الذي بات له اليوم فروع في داكار وباريس. كانت لديها ملفات في حاسوبها تحتوي أعمال المصوّر حتى قبل أن تلتقِ به شخصياً. تذكّرت أن لقاءهما كان «صدفة»، حين شارك المصوّر في بينالي Regard Benin في كوتونو ذلك العام، حيث عُرضت مجموعة توثّق مصنع الطباعة الوطني السابق في بورتو نوفو، الذي كان في حالة تهدّم.

فرانسوا-زاڤييه غبرِ، Rubino، من سلسلة «Radio Ballast»، 2024.
©2025 فرانسوا-زاڤييه غبرِ/ADAGP، باريس

أخبر المصوّر صاحبة المعرض بأنّه يعتزم التواجد في ساحل العاج مع أسرته قادماً من مالي، حيث كان يقيم آنذاك، وعندما عاد غبرِ لزيارة الصالة بعد أشهر، جاء محمّلاً بمجموعة من الأعمال — وكان ذلك بداية علاقة مهنية طويلة الأمد.

يقرأ  ورثة يهود يرفعون دعوى ضد متحف المتروبوليتان بشأن ملكية لوحة لبيسارو

أفصحت فاخوري أنّه عندما عرضت أعمال غبرِ في معرض 1‑54 للفن المعاصر الأفريقي في لندن عام 2013، جذب جناحها شخصيات مثل آرثر والتر، جامع الصور الفوتوغرافية، الذي أخبر بدوره أمين متحف تايت سايمون بيكر عن غبرِ. اشترى والتر عملين وتبرّع بواحد لتايت مودرن. منذ ذلك الحين ساعدت صالة فاخوري على عرض أعمال غبرِ في مهرجانات ومعارض ومجموعات عالمية مثل موما، مركز بومبيدو، مؤسسة H، ومكتبة سميثسونيان.

فرانسوا-زاڤييه غبرِ، Gare de Bouaké، من سلسلة «Radio Ballast»، 2024.
©2025 فرانسوا-زاڤييه غبرِ/ADAGP، باريس

العرض في مؤسسات ومعارض مثل ICP يمثل لدى غبرِ امتداداً لعمله في توثيق وعرض التاريخ. «راديو بالاست جزء من تاريخ ساحل العاج، يستخدم منظومة السكة الحديدية كحجاب ليتأمّل تاريخ البلاد»، يقول غبرِ، مؤكّداً أن مشروعه يندرج في ممارسة فنية تهدف إلى «سدّ الفجوات وجعل التاريح في متناول الجميع.»

أضف تعليق