في أفلام علي شيري الأخيرة، يصبح الحرب نقشًا على عمود الفقرات لدى المنكوبين؛ الجندي الحارس، البطل المتوحِّد في فيلم قصير صدر عام 2024، يقف جامدًا لساعات متصلة، غارقًا في امتداد رجال تمركزوا على شريط الحدود في الجمهورية التركية الشمالية القبرصية غير المعترف بها دوليًا. أما فيلمه التالي «الحارس» (2025)، الثاني ضمن ثلاثية مستمرة، فُعرض اليوم، ويتركز حول جندي فرنسي مثني الخصر بلطف وبقِبْضة بندقية في فمه؛ تطلق البندقية طلقة، ويُبقي شيري مسألة ما إذا كان يموت أم يحلم مفتوحة على مصراعيها، موكولًا القرار للمشاهد.
مقالات ذات صلة
على مدى أكثر من عشرين عامًا من الممارسة الفنية، رفض شيري الانغلاق الأخلاقي لصالح الإصرار على التحمل. عُرض عمله في مؤسسات مرموقة مثل «فيينا سيكسيون» و«المعهد السويسري»، واحتفى به المشهد الفني المعاصر على أرفع منابره، إذ نال أسد الفضة في بينالي البندقية التاسع والخمسين عن ثلاثية التماثيل «تيتانز» (2022) وعن تركيب الفيديو «عن رجال وآلهة وطين» (2022).
«المراقبة الأخيرة قبل الفجر»، معرضه الحالي في صالة ألمين رش في نيويورك حتى 28 فبراير، يجسِّد تضافرًا بين النحت والصورة المتحركة. يناهض شيري الذاكرة الثقافية كأنها مجرد إعادة سرد؛ بل يعاملها كجسم محسوس—يثبتها في راحة اليد ويفحص كيف تنتقل عبر الفن والتحف والسرد السياسي. يدعو المعرض الزوار لمشاهدة «الحارس» ثم مواجهة عظامه في الصالة: تماثيل ولقطات من موقع التصوير إلى جانب أول سلسلة من اللوحات المائية التي يعرضها شيري. التأثير حاد وحميم: قلب الجندي مكشوف من الداخل، وزائر المعرض مدعو لِيَنتَشِل من البقايا ما يريده.
في الحوار المتعلق بممارسته، يشرح شيري كيف اجتمعت النحت والسينما للمرة الأولى بشكل حقيقي في عمله؛ إذ بات يفكر في تصميم المشهد والأشياء التي ستظهر قبل التصوير. يصف ترتيب العرض بحيث يرى الزائر الفيلم في الأسفل، ثم يصعد فيواجه الأشياء وقد سبق له أن رآها؛ بمعنى أن اللقاء يتكرر في وسيلتين: أولاً كأشياء بحدّ ذاتها، ثم كعناصر داخل السرد السينمائي. والتماثيل، بحسبه، تعمل كأعمال قائمة بذاتها بغض النظر عن وظيفتها داخل الفيلم، لكنها تكتسب بعدًا آخر لدى مشاهدة الفيلم لاحقًا. يثيره كذلك أن يقرأ الجمهور معروضات المعرض قبل أن يشاهد الفيلم—سواء شاهد أولاً سلسلة الجنود النائمين أو المشهد المصغر المسرحي لجنود وكلب.
بدأ المشروع كاملاً كثلاثية تتناول مناظِر العنف—تاريخًا عنيفًا حقيقيًا وكيف يرتبط بالجغرافيا. في كل مرة تغيّر الموقع والسياق السياسي والتواريخ، وسعى شيري لأن يرى كيف يغيّر العنف المشهد وتغير أجساد الناس؛ العنف يزلزلنا حتى على مستوى الجزيئات، كما يقول.
في الجزء الأخير من الثلاثية، يركز بشكل خاص على شكل الجندي. انطلق من الحارس الذي صور في قبرص، في منطقة العازل على خط الانقسام: الرجل الذي أدى دور الجندي لم يكن ممثلًا محترفًا؛ بل أنهى لتوه خدمته العسكرية التي استمرت عامين قبل أسبوع من بدء التصوير، فكنت أريد شخصًا يمتلك في جسده تجربة المراقبة. العناصر السياسية المعقَّدة في شمال قبرص جعلت من الصعوبة بمكان أن يبوح الجندي برأيه علنًا؛ هو من هناك، وله رؤيته الخاصة للصراع، لكنه لا يستطيع التعبير عنها. أول ما يتعلمه الجندي هو الطاعة، لا السؤال—وهنا تكمن التوترات بين الفرد والمؤسسة التي تملي عليه ما يجب أن يفكر فيه وما يجب أن يفعل. كان يؤدي المراقبة لستّ أو سبع أو ثماني ساعات متواصلة.
س: هل كان دوره مجرّد مراقبة الحدود؟
ج: نعم. لا يملك هاتفًا، ولا يستطيع أن يفعل شيئًا سوى المراقبة. وسألتُه: ماذا تفعل طوال هذا الوقت؟ هل تفكّر في شيء؟ فأجاب: لا يمكنك التفكير.
من المثير أيضًا أن الشخص الذي اختاره لتجسيد الدور فنان وموسيقار؛ الخدمة العسكرية إجبارية هناك وكان يكرهها، لذا كان العمل على هذا الفيلم نوعًا من استخلاص إيجابي من تجربة مرّر بها. ما يزال جسد الفرد، في منظور شيري، حاملاً للتاريخ—مَدارًا تُخَزَّن فيه السرديات، وتُفَكّ رموزها وتُعرَض أمامنا كمسارح للسلامة والجنون معًا. أسهل طريقة لتمرير الوقت هي أن تفرغ ذهنك وتتركه يسيح بلا اتجاه.
أنت تراقب حدوداً لم يحدث عليها شيء طوال أربعين عاماً. من ناحية، لا معنى فعلياً للفعل الذي تقوم به، ومن ناحية أخرى، هو جزء من طقوس لا بد من أدائها.
كيف يتابع فيلم The Sentinel هذه المحاور؟
هنا لم نعد في موقع حقيقي؛ إنها مختلقات. فضلت العمل مع ممثلين. في فرنسا، على الأقل، هؤلاء الوجوه معروفة—كنت أريد ممثلين يمكن التعرُّف عليهم كممثلين. يظهر بوضوح أن ما نشاهده مجرد تصميم لمشهد؛ هم يقومون بلعب دور الجنود، والفيلم نفسه يلعب دور قاعدة عسكرية. فكرة الأداء التمثيلي تتكرر أيضاً في الكاباريه من خلال عرض السيدات المتنكرات: شخص يلعب دور جنساني.
مشهد الكاباريه استحضر لديّ مسرح الصحة العقلية الذي يُعرض بعد الصدمة. طوال الفيلم، يتصرف الجندي كما لو أنه لا يزال غير أسير نفسياً في مكان آخر. ومع ذلك، يبدو متواصلاً مع العالم المحيط به ظاهرياً فقط أثناء عرض السحب في الكاباريه. حين يصادفه ذلك العرض، كأنه اصطدم بنفسه بطريقة ما. قرأته كأنشودة مكرسة للفن ذاته.
وصفك يناسبني تماماً. لحظة الحديث بعد العرض بين الجندي والسِيدة المتنكرة تبدو كحوار بين روحين وحيدتين محبوستين في عالمهما. الفارق أن المتنكرة اختارت الدور الذي تلعبه؛ بالنسبة إليها يبدو أن هناك شيئاً يتجاوزها. الجندي يواجه شخصاً يملك سلطة على مظهره واختياراته في اللباس؛ ليس مجرد انصياع لكونه ذكراً أو أنثى. ثمة مواجهة، لكن أيضاً تفاهم. حنان يتقابل مع حزن.
تقول المتنكرة في النادي: «ربما أعيش هنا. هذا بيتي.» كما في أي بيت آخر، يمكن أن يشعر المرء بالألم، لكنها تحاول إضفاء الفرح على الآخرين، جذْبهم إلى هذا المكان. حتى مع الطبيب العسكري؛ هو شخصية سلطة، لكنهم جميعاً أرواح تائهة تسعى لمواساة بعضهم البعض.
ماذا عن الأغنية التي أُدينت في النادي؟ الكورس كان: «كل رجل يقتل الشيء الذي يحبه».
الأغنية مأخوذة عن قصيدة ألفها أوسكار وايلد في سجنه. زميل زنزانته كان قد قتل زوجته بدافع الحب. إنه حب بلغ أقصى درجاته: الرغبة في إبادة الشيء الذي تحبه لكي تملكه. هو شعور مختلط تجاه شيء تستعد أن تموت لأجله أو تقتله أو تُقتل من أجله؛ شغف لتكريس حياتك له.
هل يمكنك التحدث أكثر عن موقع التصوير؟ عندما يكون في مكتب الطبيب تبدو الكاميرا مرتفعة وبعيدة، كما لو أنه داخل بيت دمى.
وأيضاً حين يخرج إلى الشارع، تشعر المدينة وكأنها مصنوعة من كرتون. إنها تجربة خارجة عن الجسد: حين ينظر إلى نفسه ويتحدث مع الطبيب، يعلن كذلك عن آلية طابع التصوير المسرحي للفيلم. لا نعلم إن حدث كل هذا بعد أن أطلق النار على نفسه، لأن بداية الفيلم حلمٌ يرى فيه أنه يضع المسدس في فمه ثم يستيقظ.
لا أرغب في اغلاق القصة تماماً، لكن بعد ذلك نرى جندياً آخر يعبر بوابة نحو النور. ربما هو نور في نهاية النفق، أو ربما مخرج. يمكنك بسهولة إسقاط مشاعرك تجاه العالم على هذا الفيلم.
حلم أم واقع، لماذا جعلته ينتحر؟
بالنسبة لي، هذا واضح أنه خيال. إن أقدم على الانتحار، فهو ينهي حياته في عالم مختلق، على خشبة، في مسـرح—في ماكبث، الموت مجاز. عندما تكون جندياً، تفوض خيار الحياة والموت للجيش؛ تقبل ألا تكون أنت صاحب القرار النهائي في مصيرك. إطلاق النار على نفسه بمثابة إعلان: أمتلك القرار، لم أفرط بروحي. ربما ما يضع له نهاية هو هذه الحقيقة لكي يفتح احتمالات لحقائق أخرى.
النوم كان موضوعاً مهماً في الثلاثية حتى الآن. في The Sentinel، ينام الجندي مستنداً إلى النقش البارز في العرض.
أشعر أن النوم وسيلة مقاومة. هروب الأجساد إلى عالم الأحلام فرصة للتوقف عن عنف العالم ورؤية شيء أفضل. هناك ثلاث أجيال من النساء في النقش تراقبانه. حين تكون نائماً تكون في وضع هش، إذن فالمشهد يحمل معنى الحِماية والرعاية.
في The Watchman، يمر البطل من باب منقوش عليه عبارة تركية تُترجم إلى: «استيقظ أيها الجندي.»
هذه عبارة من الجيش التركي. هم طلبوا من الجنود أن يكونوا يقظين ومستعدين؛ أما الفشل فمعناه أنهم لم يكونوا يقظين أو أقوياء بما فيه الكفاية. بالنسبة لي، الضعف هنا هو شكل من أشكال المقاومة. هكذا نستعيد إنسانيتنا.
وتتوجُّ هذه الفكرة بأداء الدراج، كإعلان بصريّ عن أن الجسد قادر على تقبّل أنوثته وهشاشته. في الخطاب السياسي الراهن نرى هوساً بالرجل «القوي»، بينما شخصياتي تولد من مساحة الضعف كفعل تمردي.
كيف يتصل ذلك بحجم التماثيل؟ إنها أكبر من الحياة. نشعر بصغرنا كأطفال أمام وجود أكبر منا بقليل. التماثيل كبيرة، لكنها مرهقة، كما لو أنها تأخذ استراحة؛ ليست برونزية بل على هيئة أشكال طينية، هشة. ليست مثل تماثيل الأبطال العظام المنتصبة في الشوارع.
الألوان المائية أيضاً تتطلب لمسة دقيقة وحسًّا متأنياً. بدأت سلسلة الجنود النائمين أثناء جائحة كورونا؛ بينما خبز البعض الخبز، التقطت أنا فرشاة الألوان المائية. أقول دائماً إنني صانع أفلام ونحات، وأنّ الرسم فعل أخصّ للنفس. الألوان المائية تتطلب قدراً هائلاً من الصبر؛ بالنسبة إليّ هي طقس: أفرش الورقة البيضاء، أُعدّ كل شيء، ثم أغادر احياناً لثلاثة أو أربعة أيام قبل أن أقترب مجدداً. إنها تأمل؛ لا يمكنك التوتر أو الاستعجال، لأنك لا تستطيع تدارك خطأ بسيط ولا تغطيه بأي شيء.
هناك شيئٌ شافٍ في عفوية العمل والانتباه الذي تفرضه الألوان المائية مقارنةً بالعمل النحتي؛ التماثيل مغبرة وكبيرة وصاخبة. لديّ مساحة منفصلة للرسم.
لافتة النيون من الكاباريه موجودة في العرض وعليها كلمة «الناجون» — هل هو نادي حقيقي في مكان ما؟ لا؛ كنت أفكر فيما سأسمّي به البار، فأعجبتني فكرة «الناجي»، خصوصاً بالفرنسية survivant: حرفياً «sur» فوق و«vivant» حيّ — هناك شيء يثير اهتمامي في حالة أن تكون ناجياً. وُلدتُ في بداية الحرب الأهلية في لبنان، لذا أنا أيضاً ناجٍ. ماذا يفعل ذلك الي طريقة إدراكك للعالم؟ يتطلّب قدرة شبيهة بقوى خارقة: ليس مجرد أن تعيش، بل أن «تعيش فوق». أحبّ أن يتحول ذلك المكان الصغير إلى ملاذ يُنقذ الناس ويحوّلهم إلى ناجين.
في لبنان ما زالت غريزة البقاء تدهشني؛ كلما ازدادت الأمور سوءاً تمسّكنا بالحياة ونتشبّث بالفرح — حتى لو كان مبالغاً فيه أو يُنظر إليه كآلية مرضية للتعامل مع الواقع. البقاء ليس مسألة عقلية بالدرجة الأولى؛ إنه غريزة.
قلتَ في مقابلة إن عملك أظلم من ذاتك الداخلية؛ هل ما يزال هذا صحيحاً؟ مع ما حدث أصبح من الأصعب أن أشعر بذلك، لكن هذه هي المقاومة اللازمة: أن نستمر في الحنين إلى الملذات التي تمنحنا إياها الفن والطبيعة. نصبح أقسى على بعضنا عندما نحتاج أن نظل رقيقين ومتعاطفين — هذه معركة اليوم. وحتى إذا بدا العمل مظلماً، فأنا لا أراه ظلاماً بالمعنى السلبي؛ أحياناً ما أفعله هو طقس لطرد شيء ما من داخلي حفاظاً عليه.