لقاءات عن قرب لوحات ديفيد رايس

الشمال الغربي للمحيط الهادئ ربما هو أكثر المناطق بريةً وروعةً في الولاياتا المتحدة القارية؛ مزيج من سلاسل جبلية، غابات أشجار مخروطية، بحيرات وأنهار، وأشجار السيكويا العملاقة على سواحل كاليفورنيا يعيدنا إلى مناظر أمريكا الشمالية البدائية. تضفي تضاريس هذه الولايات—وايومنغ، مونتانا، كاليفورنيا، وأوريغون—إحساسًا بعالم طبيعي لا حدود له في تنوّعه وجلاله، ذلك الجلال الذي تصوّره المدارس الرومانسية في الرسم والشعر حين شدّتهم روعةُ المهيب ورهبةُ المُتَبَهِّر. كيف نفسّر غير ذلك الإحساس الذي يغزوك حين تُطوّق حواسك بمحيط هادر، بحقولٍ خضراء كثيفة، بقِممٍ مُغطّاة بالجليد، وبلوحة سماء زرقاء صافية، كلها مضغوطة معًا كأنها نموذج مصغّر مكتظّ بالعناصر؟ إذا كان لمكانٍ أن يُلهِم فنانًا أمريكيًا، فليسَ إلاّ الشمال الغربي للولايات المتحدة.

نشأ ديفيد رايس قرب بلدة آسبن في كولورادو كابن لمدرّب تزلّج، ومنذ صغره ربط قلبه بالعالم الطبيعي. يقول رايس: «هناك شيءٌ فيه؛ أحب فكرة أن نَتشارك نحن—البشر والحيوانات—المكان بسلام. يمكن أن يحدث ذلك بطريقة لا نؤثر بها على بعضنا البعض.»

لطالما أسرت تجربة التواجد وجهاً لوجه مع حيوان بري حواس رايس؛ والحياة في كولورادو وأوريغون، وفتراتٍ قضاها في منتزه يلوستون الوطني منحتْه فرصةَ التقاط ما يصفه بـ«سحر» رؤية خراف الجبال، والبوبكات، والثعالب، والأيائل. لقد شاهد بعضًا من أكبر فرائس أمريكا الشمالية في محيط يلوستون، والبلدة الريفية التي نشأ فيها كانت تعتاد على دببةٍ سوداء تتجول بين بيوتها وتغفو على فروع الأشجار نهارًا ككائناتٍ مترهلة مستمدة من قصص الأطفال. هذا التعايش الهادئ والمحلي يتغلغل في كثير من لوحات رايس، التي تُجسّد الحياة البرية الشمالية الأمريكية بلغةٍ توحي بإنسانيةٍ رقيقة وهشة.

تبدأ مراحل المشروع الفني عند رايس غالبًا بالتصوير الفوتوغرافي؛ يخرج إلى الحقول بكاميرا DSLR ويلتقط شظايا من البرية يعثر عليها—من «مناظر قاحلة» إلى «زوايا غريبة» تمنحه منظورًا جديدًا لخطوط الطبيعة—ثُمّ يستعمل هذه المراجع الفوتوغرافية كأساسٍ أولي لرسوماته ومن ثم لوحاته. بالنسبة إليه، رؤية الحيوان في موطنه أمرٌ حاسم للعملية الإبداعية: «مهمّ أن تفهم كيف يتحركون، أن ترى مفاصلهم.» لكن مشاهدة رموز الحياة البرية مثل النسر الأصلع، والثعلب الأحمر، والأسد الجبلي—حيوانات متجذرة في أسطورة الامريكي وموروثات السكان الأصليين—تفوق مجرد البحث عن الدقة التشريحية. «أن ترى ذلك الحيوان بعينه هو ما يجعل المسألة مهمةً؛ لا تُجمّعه فحسب ضمن فئةٍ عامة من الغزلان، بل تتعرّف على ذاك الفرد بالتحديد. ذلك الارتباط هو جوهر ما أفعله.»

يقرأ  برامج الدراسات العليا في كلية الفنون بجامعة أركنساس — معفاة بالكامل من الرسوم الدراسية

يتحدّث رايس عن سحر مواجهة النظرات: الكهرباء التي لا تُوصَف حين تتقاطع عيناك بعين قطٍ كبير أو بظبيّ أو دبّ أسمر. ليس مبالغةً القول إن جزءًا كبيرًا من عمله، وربما الغاية الجوهرية لفنه، ينبع من تلك اللحظات الخاصة المُنعزلة التي تتبادل فيها الإنسانية والحياة البرية نظرةً قصيرةً تعترف بها كلُّ منهما بتيّارٍ من الفضول والرهبة والإعجاب. إنه سحر عابر ودقيق، حين ينغلق الخيط بين الأنواع فجأةً ويشعر المرء بأنه متشابك مؤقتًا في الحياة الداخلية لكائن آخر — سحرُ المُتسلّل.

بعد جمع عدد كافٍ من الصور المرجعية، سواء من تصويره في الخارج أو من مصادر مثل ناشيونال جيوغرافيك، يجمعها معًا ويعيد تركيبها في فوتوشوب، مُكوِّنًا تركيبًا بصريًا مُركّبًا.

حين ينسج معالم هذا التركيب المبدئي الذي يرضيه، يبدأ بالرسم اعتمادًا على تلك الصورة المركّبة؛ يبني الخلفيات بطبقات متعددة من الطلاء ليحقق النسيج الطبقي الظاهر في كثير من أعماله، ويسمح عمدًا للطبقات الأولى أن «تخرج» هنا وهناك ليمنح خلفية العمل مظهرًا ممزقًا ومتهالكًا يُحبّه. بعد ذلك يأتي موضوع الحيوان في التركيبة، تليه «الزخارف» أو الإضافات التي، كما يقول، «تُعزّز الطابع الساحر الذي تملكه الكثير من اللوحات.»

أضف تعليق