لماذا يُعَدُّ المخرج مينغ وونغ أستاذَ التحوّل

في أروقة المعرض الوطني في لندن، حيث يسود الصمت والتجلي، لا يظل القدّيسون دائمًا صامتين حين يلتقي عملهم بتصوّر مينغ وونغ. خلال إقامته الفنية الأخيرة حصل الفنان السنغافوري المقيم في برلين على وصول غير مسبوق إلى مجموعة التحف الأوروبية بالمتحف، فأعاد في فيلمه الأخير «رقصة الشمس على الماء» تصوير قدّيس سباستيان—القائد المئوي الروماني وشهيد المسيحية في القرن الثالث—ككائن زلِق يسافر عبر الزمان والمكان، أيقونة سينمائية متحرّكة ومتبدّلة الأشكال، مشتّتة على امتداد اللغات والأجساد والتواريخ.

مقالات ذات صلة

«قدّيس سباستيان مسافر في الزمن والمكان، رؤية مدهشة لإنسان يتغيّر جنسه وعمره»، قال وونغ في مقابلة مع ARTnews. «سوف نكون جميعًا سباستيانات. سنكون، بدورنا، مدمرين وشهداء في آن واحد».

في «رقصة الشمس على الماء» يتكلّم مؤدون آسيويون من أجناس متعددة باللاتينية ويتحرّكون داخل الصورة الباقية المحمّلة لأثر فيلم ديريك جارمان عام 1976 «سباستيان»، مرورًا بإعادة قراءة لوحات سباستيان في المعرض الوطني التي يبلغ عددها أربعة عشر عملاً. غالبًا ما يرتدي المؤدون قطعة قماش تغطي الجزء الأدنى من الجسد فقط، ويعيدون تمثيل استعراضيًا استذكارًا لشهادة القدّيس داخل صالات الرخام المزخرفة للمتحف. أمام روائع عصر النهضة والباروك يرقصون ويحتضنون ويتقاتلون ويتخذون أوضاعًا تذكّر بتلك الأجساد المقيّدة والمخيّطة بالسهام في مجموعة المتحف التاريخية.

مينغ وونغ يؤدي لفيلمه «رقصة الشمس على الماء».
من مقتنيات المعرض الوطني، لندن

مثل سباستيان المتحوّل، بنى وونغ مسيرة فنية حول زعزعة الثوابت. وُلد في 1971 ووصف سنغافورة بأنها دولة «تخلع ببطء طبقاتها الاستعمارية»، شاهدةً على تحوّل عمراني سريع، وتحولات في سياسات اللغة، وبناء بنية تحتية ثقافية في زمن شبه فوري. جاء من أسرة تعمل في الطب لكنه اختار الفن في الخامسة عشرة من عمره: «تحدّيت التوقّعات فتابعت ما أحببت؛ كنت متميّزًا في الرسم فقرّرت أن أفعله بجدية لأن الدولة كانت تخطّط لتطوير المشهد الفني».

يقرأ  لماذا يستثمر أذكى الرؤساء التنفيذيون الآن في تكنولوجيا التعلم؟

رغم أن اختياره كان غير شائع في التسعينيات، درس وونغ الرسم بالحبر الصيني التقليدي والخط والأدب في أكاديمية نانيانغ للفنون الجميلة في سنغافورة. «كانت الحقيقة في التدريب الأساسي أكثر نسخًا مملًا لما أنجزه الأساتذة»، تذكر. إلا أن تلك الانضباطية «فتحت نافذة على جانب مهم يُغفل من تراثي الثقافي».

وجد متنفسًا عبر كتابة مسرحيات بالإنجليزية، التي شكّلت أساس ممارسته الفنية. في هذا المجال وجد «متعة اللعب باللغات في مجتمع ما بعد الاستعمار». كما كان السينما معلمًا له؛ استهلك ميلودرامات هونغ كونغ، وأفلام النّوار الهوليودية، ومسلسلات بوليوود الغنائية، وبرامج التنويع السنغافورية. «كطفل شاذ، كان الأمر يتعلق كثيرًا بالتماهٍ مع شخصيات من خلفيات ثقافية وجنسانية وأجسام وجنسيات مختلفة»، قال. «بالطبع، كان الأمر كله يتعلق بالرغبة وتشكيل الهويات».

بعد انتقاله إلى لندن لمتابعة دراساته العليا في كلية سلايد للفنون الجميلة بجامعة UCL، بدأ وونغ يدرج نفسه في أفلام غربية معيارية—لداوغلاس سيرك، رومان بولانسكي، وبيير باولو بازوليني—فيؤدي كل الأدوار بنفسه رغم افتقاره لتدريب تمثيلي رسمي. في عمله «حياة التقليد» الذي عُرض في الجناح السنغافوري في بينالي فينيسا 2009 ونال إشادة خاصة من لجنة الأسد الذهبي، مرّ ممثلون ذكور من أكبر المجموعات العرقية في سنغافورة عبر إعادة وونغ لفيلم سيرك سنة 1959 «محاكاة الحياة»، مسخّرًا العمل لتحدي مفاهيم العرق والجنس والهوية.

«أدرُس وأنسخ وأعيد تفسير أعمال سينمائية لصانعين تعني رؤاهم وإنجازاتهم لي الكثير»، يوضح وونغ. «أبحث عن طرق لرواية القصص وأجرب سبل القراءة والاستماع والنظر وتجربة الحكايات—طرق يصنع بها البشر المعنى عندما يتأملون لوحات أو يختبرون أعمالًا فنية».

التوزيع غير المناسب للأدوار هو جهازه المميّز. في «القلق يأكل / أكل الخوف» (2008) يلعب دور مدبرة منزل عجوز تقع في حب عامل مهاجر مغربي من فيلم راينر فيرنر فاسبيندر 1974، بينما في «العام المقبل / L’Année Prochaine» (2016) يتولّى أدوار الرجل والمرأة من فيلم ألان رينيه 1961 «العام الماضي في ماريينباد». كالحرباء، يستطيع بسهولة أن يؤدي دور المغوي والمغوي عليه على حد سواء بحسب المشروع.

يقرأ  كوين أولثيوس — لماذا قد تصبح مدن المستقبل عائمة؟

مينغ وونغ، «العام المقبل» (لقطة من العمل)، 2016.
© مينغ وونغ / باقتناء Ota Fine Arts سنغافورة، شنغهاي، طوكيو

«الكثير من عملي يتضمن إدراجي في سياقات وحالات يُفترض أنني لا أنتمي إليها»، شرح، مشيرًا إلى مشروع مستقبلي يبحث الآن في هجرة أوبرا كانتونية عبر المحيط من هونغ كونغ إلى امريكا وتصادمها مع هوليوود والموسيقى الريفية المبكرة. «حاليًا، أستثمر في ما يحدث في الفراغ بين الصين وأمريكا».

لا يسعى وونغ إلى خلق شيء جديد تمامًا بقدر سعيه إلى تحويل ما نعرفه بالفعل. «مع مرور السنين، فهمت كيف أن مفهوم الأصالة أو الحكمة قد تقلّص ليصبح عقدة واحدة في سلسلة معقّدة من الأسباب والنتائج»، قال. «في عصر رقمي، تبدو تسلسلات السيد والنسخة أو الأصلي والتكاثر أقلّ أهمية تدريجيًا». ما أسعى إليه الآن هو تركيب متغيّر من الوسائط — فسيفساء غير مستقرة، متحركة، دائمة التغيّر والتحوّل.

يصف عمليته بأنها بسيطة في جوهرها: «راقب، فكر، جرّب، تساءل، أعد المحاولة». غير أن النتاج يتسم بتعقيد شكلي: أفلام متعددة القنوات، ديكورات مسرحية، صالونات كاراوكي، مسارح معكوسة. مستلهمًا من أوبرا كانتون الصينية، وسينما الخيال العلمي، وأفلام الدعاية، وغناء الكانتوبوب، تبدو تركيباته في كثير من الأحيان كإطارات تمثيلية داخل إطارات أخرى، أنهتضم الداخل والخارج إلى بعضها وتنهار فيهما الحدود.

تبلغ هذه الطبقات الانعكاسية ذروتها في عرضه في المعرض الوطني. «دوري أن أستمر في التشكيك فيما ننظر إليه، وفي طرائق النظر نفسها»، كما يقول وونغ. «طبقات المعنى تنزلق وتتبدّل عبر الزمن والمكان. ما ظننتَ أنك تعرفه جيدًا قد يصبح هشًا وغير مستقرّ».

في “رقصة الشمس على الماء” تتحول اللغة اللاتينية إلى لسان مهيب ووقتٍ واحد إلى نص دنيوي، وتجسّد الأجساد الآسيوية آلام قدّيسين أوروبيين، ويعاود صدى صحراء جارمان ذات البعد الجنسي أن تتكرر بصيغة عبثية داخل متحف بلندن. يبلغ الفيلم الذي يستمر 23 دقيقة ذروةً طقسية قوية حيث يتناوب الممثلون على أداء دور الشهيد، فيُرمى كلٌ منهم بسهم رمزي على يد زملائه الذين يتناوبون بدور الرماة بدورهم.

يقرأ  عديد من الصالات الناشئة في «فرايز» ترفض الإفصاح عن أرقام مبيعاتها

عند مزجه بين الشرق والغرب، يرى وونغ أن سنغافورا وتاريخها يلعبان دورًا مركزيًا في ما يسعى إلى تحقيقه. كونك خارج الدائرة السائدة أو على هامشها قد يمنحك ميزة — منظوراً قادراً على الرصد من زاوية مختلفة. كملتقى طرق ثقافية وهجرية، حيث صار فنّ تبديل الشفرات جزءًا من الحياة اليومية، تقدم سنغافورا نموذجًا غنيًا ومُلهمًا.

في جوهر مسيرته الفنية، يعتبر وونغ أن للفنّان دورًا حيويًا في المجتمع المعاصر. «أحتاج المجتمع اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الفنانين وفكرهم الفني»، يقول، «ليس ليفكّر العالم من حوله فحسب، بل ليوقظ التأمل والحوار، ويكتشف طرقًا للتواصل تتجاوز الكلمات. للفنانين قدرة على تحدّي المنطق والقياس، والجرْءَ للغوص في المجهول واستكشاف غير المألوف».

الفن، بالنسبة له، ليس هروبًا من الواقع بل آلية لإعادة تشكيل رؤيتنا له: فتح نوافذ جديدة للنظر وإعادة ترتيب الأسئلة التي نظنّ أننا قد أجبنا عنها، حتى تتبدّى أمامنا حقائق كانت مختبئة أو هشة — وتدعو إلى إعادة النظر مرارًا وتكرارًا.

أضف تعليق