«لوح وقلم» يحيي عوالم الفنان م. ف. حسين المتعددة

م. ف. حسين فنان مُجْرّب لا يهدأ، سار خلال حروب عالمية، وفي خضم استقلال وتقسيم شبه القارة الهندية والتحوّلات ما بعد الاستعمار. دخلت في فنه آفاقُ الثقافة الريفية، وسرعة وحيويةُ ثقافة الشوارع، والسرديات الملحمية لشرق وغرب آسيا، وتباينات وتلاقيات الفكر الديني، بينما كان يبحث عن وسائلٍ تجمع هذه الوجوه المتعدِّدة للتجربة البشرية. من الصعب حصرُ تعدُّدِ مواهبه وتعقيد مساره وتأثيره العميق على الروايات الفنية العالمية، لكن متحفًا جديدًا في قطر شرع في محاولة ذلك.

افتُتح المتحف في نوفمبر الماضي في الدوحة — أو بالأحرى في قلبها — تحت اسم «اللوح والقلم: متحف م. ف. حسين»، ويهدف إلى رسم صورةٍ حيّة لعالم هذا العقل المتعدّد الاختصاصات وحساسيته العابرة للحدود. كما تقول نوف محمد، أمينة المعرض ومديرة المشروع لمحفظة الفنون في مؤسسه قطر، فإن المتحف «يحتفي بخياله الذي لا يكلّ، ورؤيته العابرة للتخصصات، والروابط الثقافية العميقة التي نسجها بين جنوب آسيا والعالم العربي وما وراءهما».

بتكليف من داعمته الطويلة الشيخة موزة بنت ناصر، وتحت مظلة مؤسسة قطر، يعرض المتحف نحو 150 عملاً بين لوحات وأفلام ومنحوتات وصور ومواد أرشيفية تتعقّب التأثيرات والأفكار والذكريات التي صاغت ممارسة حسين منذ الخمسينات حتى رحيله في 2011. عبر هذه الأعمال تتكرّر أسئلة الإيمان والعلم والمعرفة والتعبير الديمقراطي الجريء والابتكار، كلها مفعمة بصدقٍ إنفعالي وفكري.

لم تتراجع مكانة حسين بعد موته بل ازدادت وضوحًا. في 2024 نظم متحف كيران نادر للفنون في دلهي معرضًا استقصائيًا عنه كحدث موازٍ لبينالي البندقية، بعد سبعين عامًا على أول مشاركته في المعرض الدولي. وفي مارس الذي مضى بيعت لوحة له بطول 14 قدمًا من 1954 بعنوان «بلا عنوان (غرام ياترا)» بمبلغ 13.8 مليون دولار، وهو أعلى سعر تحقق لأي عمل حداثي هندي.

يقرأ  أبرز ما يستحق المتابعة في مزادات نوفمبر هذا العام

اختيار الدوحة لمقر أول متحف بهذا الحجم المكرَّس لحسين مرتبطٌ بنهاية حياته؛ فقد أقام علاقة شخصية وثقافية طويلة مع قطر، وانتقل إليها في سنوات منفاه الطوعي من الهند، وجعلها موطنه منذ 2009 بدعوة من الشيخة موزة، التي وفّرت له رعايةً مؤسسية دعمت بعضًا من أطروحاته الأكبر في سنواته الأخيرة.

مخطط المتحف مستمدّ من رسمٍ أصلي أنجزه الفنان في 2008 ويملكه الآن المتحف؛ وقد نُفّذ المبنى على يد المعماري مارتاند خوسلا كشكلٍ هندسيّ مزخرف بلون أزرق عميق، يمتد على نحو 32,300 قدم مربع، ويجمع بين المدينيتَين: عمران الهند المتدرّج وأزقّة السوق الضيِّقة في الدوحة. عند العبور عبر الأبواب المقنطرة المطلية بالذهب تتكشف مشاهد مدينة متحرّكة من خلال أحجامَ ومِسَاحات متغيرة تضم ثلاث صالات رئيسية وبرجًا شُِبَّهَ بالمنظار، متّصلة بممرات مفتوحة.

من المشروعات التي حظيت بدعم الشيخة موزة سلسلةُ لوحاتٍ عن الحضارات العربية أكمل منها حسين نحو 35 قبل رحيله (كان يخطط لإنجاز 99 لوحة تيمّناً بالأسماء الـ99 الحسنى). تُعرض بعضُ هذه الأعمال في الصالة الثالثة ومن بينها «غزوة بدر» (2008) التي تستحضر لحظة نصرٍ مبكرة للنبي محمد في 624، و«فلك العرب» (2008) تكريمًا لعلماء رسموا خرائطَ السماء وأسهموا في معارفٍ علمية امتدت قرونًا. ويعيد بعضُ الأعمال ربطَ حياته بتاريخ الفن، مثل «العشاء الأخير في الصحراء»، إعادةُ صياغة مرِحة للعشاء الأخير لدى دا فينشي كاستجابةٍ للاحتجاجات التي تعرّض لها في الهند.

تسرد الصالتان الأوليتان التي تسبقان هذا الفصل الأخير تياراتٍ اجتماعية وسياسية من الهند في القرن العشرين كما عاشها حسين. تعالج الصالة الأولى فترةَ الاحتلال البريطاني والتحرّك نحو الاستقلال، بمقاطع كبيرة شبيهة بملصقات احتجاجية تردّ على لحظات فاصلة في تلك الحقبة، من مذبحة جالانوالا باغ 1919 إلى مقاومة غاندي الجماهيرية في الأربعينيات وحركة «أوقفوا الهند». بالقرب منها تكريمٌ لعَمْلامة إقبال، شخصيةٌ محورية في تصور باكستان، وتكريم مؤثر لوالدة حسين التي فقدها في طفولته.

يقرأ  وفاة الفنان الشيكاغوي توني فيتزباتريك عن عمر ٦٦ عاماً

تسبق هذه الأعمالُ التأسيسَ المشترك لمجموعة فناني بومباي التقدميين في 1947، وتؤسس للأسس العاطفية والأخلاقية في ممارسة حسين حيث يتشابك الفقد الشخصي مع وعيٍ تاريخي واقتناعٍ سياسي.

تحمل الصالة الثانية عنوان «عقل فضولي»، وتعرض حسين كفنانٍ كان للقراءة والتساؤل والنظر عبر التقاليد الفنية والدينية دورٌ محوريٌ في منهجه وولعه بفكرة إنسانيةٍ كونية. في أعمالٍ مثل «أديان العالم» (2008) يعالج وحدة الديانات الإبراهيمية، وفي سلسلة «ثيوراتوراما» من التسعينيات يعرض رموزًا مقدسة من منظومات إيمانية مختلفة، من زهرة اللوتس البوذية إلى رقصة الخلق الفيدية، في تكوينٍ واحد. وعلى الرغم من المسافات التي اجتازها، بقيت همومه المنسوجة من فلسفة هندية قديمة ترى في المسارات الروحية جذورًا مشتركةً واحدة، متجذرةً في وطنه الحبيب حتى حين شعر بأنه لا يُحبّه بالمقابل.

تشكل هاتان الصالتان المركزَ العاطفي للمتحف ومنجزه الأخير الكبير «سِيرُوا في الأرض»؛ عنوانٌ مُستلّ من عبارة قرآنية تُشير إلى الترحال في الأرض. إنجازٌ ضخمٌ أنجزته مؤسسة قطر بعد رحيله في 2019، عبارة عن دوّارٍ كبير يضمُّ خيولًا من زجاج مورانو وسياراتٍ قديمة، دمجٌ بين «ملهماتِه الأبدية» والابتكارات الحضرية التي تلاها. كما تقول نوف محمد، إن العمل يعكس افتتان حسين الدائم بالدفع الإنساني القلق نحو التقدّم والتحوّل، مما يجعله تحفةً ختاميةً لائقة.

كمَعلمٍ نُفِّذ من يده ومن أجل تاريخه، يستدعي «اللوح والقلم» كيف استلهم حسين من الشوارع، واستجاب لقلق حقبة تحول عميق، وأضاء الجانب الإنساني في المساعي الفكرية لاستيعاب التعددية في الإيمان والهويات. هنا تتلاقى هذه الاهتمامات في تحية ملائمة لفنانٍ مؤثر يُعاد إحضارُ إرثه إلى الحاضر عبر فلسفة تشجع على حواراتٍ عابرةٍ للأقاليم.

أضف تعليق