تُظهِر مستندات أفرجت عنها وزارة العدل، ضمن ما عُرف بـ«ملفات إبستين»، دلائل على وجود صلات بين الممول المدان بالاعتداءات الجنسية جيفري إبستين وجامعةِ أعمال فنية وناشرة مجلة في نيويورك وزوجها المستثمر والمطور.
ليزا فاين كوهن وزوجها جيمي كوهن—مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة هادسون كابيتال للعقارات والتطوير—كانا على تواصل وثيق مع إبستين في 2015 وأوائل 2016، أي بعد فترة طويلة من انكشاف جرائمه على الملأ، بحسب رسائل إلكترونية نُشرت منذ ديسمبر ضمن الملفات المذكورة. لا توجد في تلك الوثائق أي إشارة تدل على ارتكاب خطأ أو جريمة من قبل أي منهما.
مقالات ذات صلة
في تبادل بريد إلكتروني واحد، كانت ليزا كوهن تمهِّد لإطلاق مجلة غاليري. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت شقة إبستين في باريس بصورة مجهولة المصدر على غلاف العدد الثاني للمجلة في خريف 2016، واحتلت مساحة واسعة في التحقيق المصوّر داخل العدد.
بدأ الزوجان جمع الأعمال الفنية عام 2009 بقطعة للفنان الحداثي الفرنسي فرنانْد ليجيه، وفق ملف نشره آرنت نيوز عام 2023، الذي أشار أيضاً إلى امتلاكهما شقة مطلة على سنترال بارك في مانهاتن، إضافة إلى منازل في إيست هامبتون، بالم بيتش، ونيوجيرسي. وذكرت آرنت أن الزوجين يمتلكان أعمالاً لفنانين معاصرين وحداثيين بينهم جينيفر بارتليت، سيسيلي براون، جورج كوندُو، جان دوبوفيه، مارك غروتجان، كيث هارينغ، هانز هوفمان، فيلم دي كونينغ، روي ليختنشتاين، وجوان ميتشل.
غاليري، التي انطلقت في 2016 وما تزال تصدر، تغطي موارد الفن والترف والديكور والتصميم والهندسة المعمارية، وتعلن عن توزيعٍ يقدّر بـ125,000 نسخة. وتقول المجلة إن مشتركيها يتضمنون جامعي فنون، ومصممي ديكور داخلي، ومحطات رحلات جوية خاصة، ومعارض ومهرجانات فنية، وفنادق ومنتجعات فاخرة.
ظهرت جرائم إبستين للعامة لأول مرة عام 2005 عندما باشرت شرطة فلوريدا تحقيقاتها حوله. نُقل إلى الاعتقال عام 2006 بعد توجيه تهمة محاولة الاستدراج للدعارة، رغم اتهامه بالتحرش بفتيات قاصرات. أقرّ سنة 2008 بتهم ولاية تضمنت الاستدراج للدعارة من قاصرٍ، وقضى عقوبة سجن قصيرة حتى 2009. إحدى المدّعيات، فيرجينيا جوفري، رفعت دعوى عام 2009 زاعمة أن إبستين وصديقته السابقة غيسلين ماكسويل وفّرا لها لقاءات جنسية مع «ملوك وسياسيين وأكاديميين ورجال أعمال» وآخرين. وفي مقابلة مع الديلي ميل عام 2011 قالت إنها سافرت إلى لندن مع إبستين وهي في السابعة عشرة من عمرها وقضت ليلة راقصة مع أندرو مونتباتن-ويندسور، المعروف آنذاك بالأمير أندرو. قدّمت محاميات جوفري مستندات إلى المحكمة في ديسمبر 2014.
اتصل الزوجان بإبستين في العام التالي.
«جيمي بحاجة إلى مرشد مثلك»
في إحدى أولى الرسائل ذات الصلة في الملف، كتبت فايث كيتس، المشاركة في تأسيس وكالة NEXT Model Management، إلى كوهن بتاريخ 2 نوفمبر 2015، قائلة إن الممول يرغب في زيارةٍ ذلك اليوم إن أمكن. (تقاعدت كيتس لاحقاً بعد ظهور صلاتها بإبستين، وذكرت تقارير أنها عزاّت قرارها إلى كونها «ناجية من السرطان لمدة 30 سنة» ورغبتها في «التراجع… من أجل العطاء».) كتبت كيتس: «أدرجتُه هنا (هو بالطائرة الآن) لكن أرسلي له إيميل، لديه واي فاي (هاها)». ردّت كوهن بأنها مشغولة بمواعيد نهائية «لموقع ومجلة الفن والتصميم التي أعمل عليها»، لكنها اقترحت لقاءً في 3 نوفمبر.
في ذلك اليوم، وفق الرسائل، زارت كوهن بقعة 9 إيست 71ستريت، قصر إبستين الذي امتلكه منذ 1995 حتى وفاته عام 2019. بتاريخ 14 نوفمبر تواصلت كوهن مع مساعدة إبستين، ليزلي جروف، قائلة إنها تريد التحدث مع إبستين بشأن «أفكار وخطط محتملة للديكور الداخلي في المنزل النيويوركي». وفي 15 نوفمبر أخبرت جروف أنها تحدثت مع إبستين: «نرغب في تصوير بعض الغرف في شقة جيفري في باريس بخصوص مقال عن تصميم فينتاج [ألبيرتو] بينتوو». وفي اليوم التالي شكرت كوهن جروف على «ترتيب جلسة تصوير باريس دي بينتو مع سوزان في التاسع». (تم اختيار سوزان سليسِن، الناشرة والمديرة التحريرية في Pointed Leaf Press في نيويورك، لتتولى منصب رئيسة التحرير للمجلة.)
عدد خريف 2016 من غاليري
غلافُ ذلك العدد يظهر شقةً بلكنة ألوان بيج باهتة، ومع خط غلافٍ جاء «باريس القديمة». التغطية المكونة من 16 صفحة تصف مسكناً مساحته حوالي 7,500 قدم مربع في «واحد من أفخر المباني السكنية في القرن التاسع عشر على جادة أفوش الحصرية في باريس»، جرى تجديده في ذلك العام بتكلفة تُقدّر بنحو 1.3 مليون دولار على يد المصمم والمصور الفرنسي ألبيرتو بينتوو، الذي ذُكر أنه كان يعد إبستين «عميلًا دولياً قديمًا». وذكرت غاليري أن عملاء بينتو شملوا «عائلات ملكية، وسادة الشرق الأوسط، ومليارديرات، ومشاهير»، فضلاً عن أسر مثل أجنيلّيس، وروتشيلد، وكوخ، وسافرا.
كما سردت المجلة أن بينتو استأجر فنانة باريسية، فلورنس ديريف، لتنفيذ جداريات مستوحاة من البنائية على الجدران وطلاء سقف غرفة المعيشة بالقرمزي، مع سحبٍ من الجبس تحيط بما يُوصف بـ«ثريا مورانو الضخمة» من خمسينات القرن العشرين. وشملت الأعمال الأخرى تمثالاً خشبياً للفنان الفرنسي جاك برتو، رسم الفحم للفنان الكوري يو هي-سووك، وكرسي في شكل فيل من الصلب والبلاستيك للفنان الفرنسي برنار رانكياك. بيعت الشقة لاحقاً بمبلغ 10.5 مليون دولار للتاجر البلغاري جورغي توشيف.
عند سؤالهما عن سبب نشر صور منزل إبستين ولماذا لم يُذكر اسمه كمالك، ردّ الزوجان عبر بيانٍ مرسَل باسم مُدافعتهما الإعلامية كين فرايدمان: «مجلة غاليري لم ‘تعمّم (منزل إبستين)’. التغطية استعرضت عمل المصمم الداخلي المعروف ألبيرتو بينتو.» كانت شقيقة بينتو، ليندا بينتو، الوسيط بين مكتب شقيقها المتخصص في التصميم والديكور الداخلي ومقره باريس وفرق التحرير والإنتاج في مجلة جاليرى. تركز المجلة على المنازل ذات الطابع المعماري الفريد، وتسلط الضوء على المصممين والديكور والفنّ. ليس الملاك. في الواقع، لا تُحدد هوية الغالبية العظمى من الملاك.
في 21 نوفمبر 2015 كتب إبستين إلى كوهين: «هل يمكنك أن تطلب من جيمي أن يتصل بي اليوم… هو رائع». رد كوهين: «هو يظنّ أنك رائعة أيضاً. هو حقاً بحاجة إلى مرشدة مثلك. (في الحقيقة لا أحد مثلك!) لماذا لا تمرّين يوم الخميس في [نيويورك/بالم بيتش]، ربما نتناول عشاء عيد الشكر أو حتى كوكتيل معنا؟ يمكنك لقاء كل أولادي، وهذا سيساعد كثيراً في التخطيط للعقار وما إلى ذلك. لدينا الكثير لنحاول أن نقرّره».
عندما أرسل إبستين رسالة بالبريد الإلكتروني في اليوم التالي قائلاً إنه متاح للتحدّث مع جيمي، أجاب كوهين برقم هاتفه الخلوي: «احتفظ بهذا الرقم وستكونان مربوطين عند الورك».
في 14 ديسمبر كتب كوهين: «كنت أفكر فيك. تحدثت مع بيني دريو بيرد وأظنّ أنك قد تبرمين صفقة معها لتمنحك اهتمامها الكامل (وتتنازل عن مكتبها في ماديسون). أريد أن أقدّم لك كل كتباتها الثلاث السابقة في التصميم الداخلي كي تحصل على فكرة أوضح عن نطاق عملها منذ أيامها في باريس وحتى نيويورك. إذا أردت أيضاً أن أعمل معها لرفع مستوى الغرف الرئيسية في المساكن فسأقوم بذلك من أجلك. لقد كنت لطيفة للغاية مع جيمي ونقدّر تماماً صداقتك ولطفك». اختتمت الرسالة برمز قلب. ردّ إبستين، بطبيعته المقتضبة: «أنا هنا في نيويورك حتى الأربعاء، خلّي جميي يتصل بي».
عند سؤاله عن صداقتهما مع إبستين، قال فرايدمان إن «عائلة كوهين كانت على معرفة بإبستين، ليست أصدقاء». وأضاف فرايدمان أن الكوهينات لم يلتقوا بإبستين مطلقاً.
دعت كوهين إبستين إلى حفلة رأس السنة 2015 وساعدت في ترتيب لقاء مع بيرد في يناير 2016. («لم يدعوهما إلا بطلب من صديق مشترك»، قال فرايدمان). في 3 يناير كتب إبستين إلى كوهين أنه يرغب في مساعدة للعثور على مدير عقار للمنزل. تشير ردود كوهين إلى ترتيب الاجتماع مع بيرد: «هل تريدين أن أتشاور معها أيضاً وأحضر إلى الاجتماع؟ أستطيع أن أجلب كلّ اللمسات الخيالية التي أعلم أنّك تحبينها إلى الفضاءات. هذه طريقتي لشكرِك على كل ما تقومين به لصالح جي سي. هو بحاجة إلى مرشدة مثلك ليتبادل آراءه حول قراراته التجارية وهو يقدّر وجودك في حياته».
مشاركة ذكريات حميمة مع وودي آلن
تحتوي الملفات أيضاً على تبادلات رسائل نصّية بين إبستين وجيمي كوهين. والد كوهين، روبرت، كان مؤسس سلسلة هادسون نيوز، المعروفة بأكثر من ألف متجر في «المطارات ومحاور التنقل والمعالم والوجهات السياحية في أنحاء أمريكا الشمالية»، كما تشير الشركة على موقعها. كان من المقرّر أن يشتري كوهين صحيفة ناشيونال إنكوايرر مقابل 100 مليون دولار في 2019، لكن الصفقة «لم تتحقق»، حسبما ذكرت صحيفة النيويورك بوست في 2020، مشيرة إلى أنه سبق أن نسّق صفقة لبيع مجلة OK! لشركة أمريكان ميديا مقابل 22 مليون دولار وباع حصته البالغة 50% في أمريكان ميديا. باع كوهين متاجر هادسون نيوز للبيع بالتجزئة لشركة استثمار خاص لكنه احتفظ بمصلحة كمساهم، حسبما كتبت الصحيفة.
في 28 نوفمبر 2015 اقترح إبستين لقاءه هو وجيمي. كتب كوهين: «كنت خارجاً طوال الأسبوع في آرت بازل مع ليزا… يا له من زحام… ومع ذلك أعطاني المقاول العام مخططاً تفصيلياً إلى حدّ ما لعقاري/وصيتي كما كانت هذا الصيف. يجب أن يساعد في بدء الأمور… أنا الآن مركز على مسألة المسكن هذا الأسبوع». رد إبستين: «المسكن ليس مناسباً. أرسل ملخصك ونراجعه إذا أردت». سأل كوهين إن كان إبستين قد شاهد فيلم The Big Short. قال إبستين: «لا، لم أشاهده، لكني على دراية حميمة بالشخصيات التي يصورها». ثم ناقشا حفلة ليلة رأس السنة التي كان موضوعها فرقة رات باك.
في الشهر التالي أشار جيمي إلى ذهابه إلى مباراة بولو في فيرو بيتش بفلوريدا: «النحل ليومٍ واحد!»
«تناول العشاء مع أصدقائنا المشتركين تيم ونينا، وأريهم شقتك الجميلة في العدد الحالي من مجلة جاليرى!» كتب كوهين في رسالة نصّية بتاريخ 11 أكتوبر 2016.
في 1 يناير 2016 أرسل جيمي رسالة نصّية إلى إبستين بمعلومات حميمة نسبياً عن زوجته، قائلاً إنه «يستخدم هاتفي الاحتياطي»، وذكر المخرج السينمائي وودي آلن، الذي حضر الحفل ظاهرياً.
«سعيد جداً لأنك أنت ومجموعتك استطعتم الحضور الليلة الماضية»، كتب. «وشكراً خاصاً لأنك جمعت بين أليكس وودي معاً. بدا أنهما أجروا محادثة لطيفة… وكذلك فعلنا، فهو كان يصوّر في حديقتي الخلفية (نيوجيرسي) لسنوات عديدة… بعض القصص الممتعة، بما في ذلك الليلة التي حملت فيها ليزا بطفلنا الثاني بعد أن شاهدت أحد أفلامه في مسرح باريس!!!!»