تصوير الذات عادةً ما يُعتبر من أكثر أنماط الفن إفصاحًا عن الذات: عندما تعرض صورتك للعالم، يفترض الناس أنك تكشف كل شيء. فما معنى ذلك أمام تمثال مارتن بوريار لعام 1978 المعنون «الذات»؟ مكوَّن من قطعة ضخمة من ماهوجني منحوتة، تُعلوها كتلة من الأرز، لا يمثل هذا العمل كثيرًا بالمعنى الحرفي؛ سطحه الخشبي المتعرّج المصبوغ بلون داكن يعيد نظرة المشاهد بقدر هائل من السواد.
الذات متعة بصرية لا جدال فيها، لكنها لا تخبرنا بما يكفي عن شخصية بوريار أو مظهره. وهذه المراوغة تبدو كأنها جوهرية في العمل. فالتمثال، كما في كثير من أعماله المبهرّة الأخرى، يتعلق بفعل الامتناع: يغري بمنحنياته الأنيقة وبما يظهر من براعة في الصنع، ثم يسد الطريق على المتلقي عبر رفضه تفسير ذاته بأي وسيلة.
مقالات ذات صلة
لا تبدو هذه القراءة جديدة؛ الوصف الذي قدمته عن «الذات» يصلح بسهولة لعدد كبير من التماثيل المعاصرة التي تفكِّر اليوم في أفكار متعفنة متعلقة بالرفض. كلمات مثل «اللاشفافية» و«غليسانتي» صارت عناصر روتينية في بيانات المعارض الشبابية؛ ويبدو أن نوعًا جديدًا من المختزِلية (Minimalism) آخذ في الصعود. لكن خلال سبعة عقود مضت، بدا أن بوريار يشير إلى طريقٍ احتذاه أجيال متعددة من النحاتين.
هل قد يكون بوريار أهم فنان أمريكي مؤثر يعمل اليوم؟ هذا السؤال راودني مرارًا أثناء تجوالي في المعرض المختصر والمثير لمارتن بوريار في متحف الفنون الجميلة في بوسطن، والذي ينتهي عرضه هذا الأحد قبل أن ينتقل الى متحف كليفلاند للفنون في نيسان. عنوان المعرض «مارتن بوريار: حلقة الوصل»، وقد اختار القيمون—إميلي ليبرت من متحف كليفلاند وريتو ثورينغ من متحف بوسطن، مع إيان ألتفيفر كمشارك إضافي في نسخة متحف بوسطن—اسمًا بالغ الدلالة؛ فالمعرض يثبت أن بوريار يشكّل فعلًا محورًا محوريًا داخل كون الفن المعاصر خلال نصف القرن الماضي.
قليلون ينكرون عظمة بوريار، خصوصًا بعدما مثّل جناح الولايات المتحدة في بينالي البندقية 2019. غير أن النقاد، حتى وقت قريب، مالوا إلى قراءة أعماله الاختزالية من منطلقات شكلانية، معتبرين أنها تدور كلها حول الحرفة، بمعزل كبير عن إشارات للعالم الخارجي. عندما أقيم معرضه الكبير الأخير في الولايات المتحدة قبل خمسة عشر عامًا في متحف الفن الحديث، قال الناقد بيتر شيلدال إن فنّه «غالبًا ما يتجنب المعاني الخارجية».
لقد عزز بوريار هذا الانطباع في مناسباتٍ، إذ قال ذات مرة إنه «ينتمي إلى جيل حيث العمل نفسه هو المعلومة». لكن معرض متحف بوسطن جعلني أتساءل إلى أي حدّ يحتوي فن بوريار بالفعل على كل المعلومات اللازمة لفهمه.
بالتأكيد، عمل مثل «عمود لسالي هيمينغز» (2021)، حيث مُثبت مقبض حديدي وسط قاعدة رخامية مسننة، لن يكشف عن نفسه بمجرد التحديق الممتد. يشير العنوان إلى امرأة كانت مُملوكة مستعبدة عند توماس جيفرسون، والتي —وفقًا لبعض الروايات التاريخية التي لا تزال موضع نقاش—أنجبت عدة أطفال له. أقرب ما يصل إليه بوريار من تمثيل علاقة جنسية غير توافقية بين هيمينغز وجيفرسون هو اندماج المعدن البني بالرخام الأبيض؛ ومن غير المرجح أن يغضب من هذا العمل من ينكرون الأبحاث حول تلك العلاقة، لأن سطحه الأنيق مقروء فقط لمن يعرف كيف يقرأه. العمل هو المعلومة، لكن المعلومة محفوظة إلى حد كبير سرًّا.
يعرض المعرض أن تجريدات بوريار ليست بلا بعد سياسي—ولم تكن كذلك قط. يحتوي العرض على أعمال أقل شهرة، مثل طباعة نحاسية من 1966–67 يظهر فيها شكل منحنٍ مقسوم إلى أربعة أجزاء؛ أحد تلك الأرباع سوداء، والباقي بدرجات بيج أفتح. ما هذا الكائن وما الذي يحاول أن يقوله؟ قد يقدم العنوان إجابة: «كادرون» (Quadroon)، ذلك اللفظ العنصري المستخدم لوصف من له جد واحد اسود، فيصبح حسب ذلك المنطق «ربع أسود».
في عمل مثل «كادرون»، يُظهر بوريار أن الهوية لا تنفصل كليًا عن الفن، حتى عندما يبدو العكس. وقد ألمح إلى ذلك مبكرًا في «رأس» (1965)، وهي واحدة من الأعمال الشكلية القليلة المعروضة هنا. هذه القطعة الخشبية تُظهر رأس رجل أسود موضوعًا فوق شعار قديم لمجلة آرتنيوز، التي نادرًا ما كانت تضع أعمال فنانين سود على غلافها آنذاك—كما كان شائعًا لدى مجلات الفن في تلك الحقبة. (ولم يظهر عمل لفنان أسود على الغلاف حتى العام التالي حين نشرت آرتنيوز ملفًا عن مجموعة الفنانين القصيرة العمر «سبايرال»، التي لم يكن بوريار عضوًا فيها.) العمل يوحّي بأن الناس أنفسهم هم أخبار الفن، متحديًا الحكمة السائدة بين النقاد الذكور البيض في حقبة ما بعد الحرب القائلة إن هوية الفنان وتجربته الحياتية لا تهم في عمله.
من اللافت إذًا أن الناس يغيــبون تقريبًا عن أعمال بوريار خلال السبعينات. بمظهرها الأملس والمختزل، رُؤيت تلك الأعمال كرد فعل على الجماليّات المينيمالية السائدة آنذاك. «بعض الخطوط لجيم بيكوروث» (1978)، المكوَّن من سبعة أوتار طويلة من جلد مجدول مشدودة على جدار، يشبه بلا شك الفن المينيمالي؛ ويستحضر إلى حد ما منحوتات الخيط عند فريد ساندباك. لكن عنوان بوريار يعود إلى تاجر فراء متعدد الأعراق وُلد مستعبدًا وتحرر لاحقًا، وهذا سمتٌ لم يكن ساندباك ليمنحها عمله. كما أن تدرّجات جلد بوريار—بنِّية مائلة للنحاس، والبني الداكن، والأبيض—تُضفي انطباعًا أن العمل يحمل ما هو أكثر من ظاهرِه.
أعمال أخرى من السبعينات والثمانينات تستمر في الجمع بين مواد ملونة بنغمات مختلفة. «حلقة الوصل» (1979)، العمل الذي منح المعرض اسمه، عبارة عن دائرة من خشب الأرز حُشرت حوافها معًا وُطليت بالأسود والأبيض على الترتيب. ويأتيه تكملة معنوية بـ«الليل والنهار» (1984)، قوس من خشب الصنوبر مقسوم إلى نصفين؛ نصف طُلي بالأبيض والنصف الآخر بالأسود. إن كانت هذه تنويعات على ثيمة سبق وأن بدت في «بعض الخطوط»، فبوريار لا يصرح بذلك صراحة.
منذ «الليل والنهار» بدت بعض تماثيله أكثر غموضًا. «تجمع فضائي» (1993–95)، العمل الأكثر سحرًا في عرض متحف بوسطن، يتألف من عدة كرات من خشب الأرز؛ وصلات الألواح محكومة بإحكام ودقّة تجعلان من شبه المستحيل تفكيك الأشرطة مرة أخرى. «النظر المائل» (2023) هو رأس مُجرد بعيون بارزة وأنف مثلثي؛ ومن الغريب أنه يفتقد للفم.
الصفة الشائعة لهذه الأعمال هي «الصامتة»، وصف يلمح إلى عدم الاستعداد للحديث. سيطالب البعض، بلا ريب، أن تغلِي تماثيل بوريار صوتًا أكثر، أن تقول أكثر. ومع ذلك، وبصفة تكاد تكون مقصودة، لم يكن هذا الفنان يومًا مُكشِفًا بهذه الطريقة. في مقابلة عام 1991 مع صحيفة شيكاغو تريبيون حول ما إذا كان عمله عن العرق، اكتفى بوريار بالقول: «ربما هناك شيء ما لتفكيكه، لكني لن أتورط لأنه أفضل لي أن أحترم تعقيدي الخاص.» يمكن تخيل أن عبارة كهذه قد يقولها مشارك أصغر سنًا في بينالي ويتني خلال العقد الأخير.
بوريار إذًا لن يشرح فنّه لنا، ولا يفترض به أن يفعل. هذا يعني أننا مضطرون أن ننظر وأن نسمع بعناية. على الأقل عمل واحد هنا واضح في كونه عن همسات لا يُراد لها أن تُسمع من قبل الجميع: «الاعتراف» (1996–2000)، كتلة خشبية مكسوة بشبك سلكي مُغطّى بالقار. منطقة غير مصقولة من التمثال تشبه إلى حدّ ما بابًا بمقبض وكتلة على الأرض تبدو كأنها تدعو المشاهدين للركوع. إلا أن المنفذ لا يُفتح، والمشاهدون ممنوعون من لمس التمثال. ما هو مستتر تحت حاجز الشبك يظل بعيد المنال عن المتلقي، لكنه يَثرِف الخيال بتخمين ما الذي يكمن تحت السطح.