«مانيه وموريزو» إحياء صداقةٍ أسطوريةٍ في قلب الحركةِ الانطباعية

دليل على تحوّل العصر: في معرض “مانييه ومورسو” تُرفع بيرت موريسو، التي اعتُبرت تقليدياً جزءاً من دائرةِ «الانطباعيات النسويات»، إلى مرتبةٍ متساوية مع دوار مانيه، ذاك الحداثوي المتقدّم الذي وُصِف بـ«أبّ» الانطباعية. المعرض المعروض حالياً في متحف كليفلاند للفنون نَشأ في البداية بمؤسسة ليجيون أوف أونور في سان فرانسيسكو. لقد قدّمت موريسو، إحدى النساء القلائل اللواتي عَرَضن مع الانطباعيين، مادةً غنيةً للمؤرّخات الفنيّات النسويات اللواتي سعين إلى توسيع روايات الفنّ، لكن معرض “مانييه ومورسو” يذهب أبعد من ذلك: إذ يدّعي أن موريسو لم تَكُن مجرد عنصر داخل حلقةِ رجال مشهورين، بل ساهمت فعلاً في توجيه مسار الرسم الحديث.

مقالات ذات صلة

ليس هذا أوّل معرض يضع مانيه — الذي رفض أن يعرض مع الانطباعيين في حياته، مما رسّخ سمعته كشخصية فريدة من نوعها في الحداثة — في حوارٍ مع فنان آخر. قبل وقتٍ قصير استعرض متحف المتروبوليتان معرض “مانييه/ديغاس” (2023) الذي كشف حواراته المتوترة أحياناً مع إدغار ديغاس. الخطّ المائل (/) في عنوان ذلك المعرض أبرز التنافس بينهما، في حين أن علامة (&) هنا توحّد الشخصيّتين في رؤيا متآزرة.

علاقة صداقة طويلة ومعروفة تجمع مانيه ومورسو؛ التقيا وهما ينسخان لوحات في اللوفر عام 1868، وتوطّدت علاقات أسرهما المنتمية إلى طبقة اجتماعية متقاربة خلال السنوات التالية. تزوّجت موريسو لاحقاً من شقيق مانيه، يوجين، لكن قبل ذلك صوّرها إدوار 11 مرة. حميمة جلسات الرسم تلك أشعلت تساؤلاتٍ كثيرة حول طبيعة العلاقة بين مانيه (في السادسة والثلاثين، متزوج وسابقاً أثار فضائحاً في صالون باريس) ومورسو (في السابعة والعشرين، فنانة طامحة). الغرفةُ الأولى من المعرض تُغرق الزوّار في تلك التأويلات المتردّدة: «هل كان بينهما شيء أم لا؟»؛ وسهولةُ انفتاح موريسو على أن تُرى في لوحة “بيرت موريسو مستلقية” (1873) توحي بأكثر من قصةٍ واحدة.

يقرأ  وفاة مدير غاغوسيان عن عمر يناهز ٤٢ عاماً

لحسن الحظ ينتقل المعرض سريعاً من رؤية موريسو كموضوع إلى إبراز رؤيتها. لوحة “منظر باريس من التروكاديرو” (1871–1873) تُبيّن اهتمامها بعمل مانيه — إذ كان قد صوّر المشهد الحضري نفسه أثناء المعرض العالمي عام 1867 — وتهتم أيضاً بتحولات باريس بعد الحرب الفرنسية–البروسية والباريس التي شهدت الثورة البلشفية (الكومونة). لقد استبدلت بهجة مواهب مانيه في مراكيب الملاهي بمنظرٍ مدنيٍّ مُكفهر يشوبه أثر العنف. وفي هذه اللوحة تُقدّم موريسو أيضاً دَلالةً ستعود إليها مراراً في مجموعتها: طفل ظهره مُنحى عن المشاهد. عادةً ما تُقرأ هذه الأجساد المُلتفّة كدعوات لرؤية المشهد بعين الطفل، أمّا في رأيي فهذه الشخصيات المتحوّفة تشكّل لحظةَ امتناع داخل اللوحة، متّصلةً بأسرار الطفولة. إنها مُغريةٌ من دون أن تُشبع فضول الناظر، وتذكّرنا بعجزنا عن أن نرى كما يرى الطفل، أو كما يرى أيُّ إنسانٍ آخر. وعندما تُصوّر موريسو البالغين، فإنها ترفض غالباً الكشف عن عالمهم الداخلي؛ فهم ينظرون إلى الأسفل أو يلتفتون بعيداً، محتفظين بجزءٍ من ذاتهم حتى وهم يدخلون مجال الرؤية العامة عبر لوحتها.

تؤكد القيّمة إيميلي بيني في كتالوج المعرض أن مانيه استعار من موريسو دلالة الطفل في محاولاته الخاصة للتعامل مع مدينةٍ تتغيّر، وأوضحُ ما يبدو ذلك في لوحة “السكك الحديدية” (The Railway، 1873). تُشير هذه اللوحة إلى تحوّل مانيه من صور الاستوديو التي حدّثت أساليب الأساتذة القدامى إلى استكشاف العالم المحيط به. إنها عملٌ محاصر بين نظرين: امرأةٌ تحدق بالمشاهد وطفلٌ يرمق العجائب المتولِّدة من السرعة والبخار عبر سياجٍ حديدي. بينما يُعد الاعتماد على النظرة المباشرة سمةً من سمات حداثة مانيه، قد يُقرأ إبعادُ الطفل لنظره كدلالةٍ أخرى — تذكير بمفهومٍ ناشئ للخصوصية يقابِل الحياة العامة.

يقرأ  تشيبيسو موروبا: نسج فولكلور سيتسوانا والأحلام في تراكيب أرشيفية — كولوسال

الموضوعة الأخرى التي تبرز عند موريسو هي عمل النساء اليومي: يُحتفى بمانيّه بتصويره ولاء العمل والطبقة العاملة—عمال السكة الظاهرون في منتصف لوحة “السكك الحديدية” مفصولون عن أبطال البورجوازية بسياجٍ حديدي، ما يعكس عالمًا اجتماعياً أكثر تفتتاً. لكن موريسو تصوّر العمل ربما بصورة أكثر تكراراً، وإنْ بصورةٍ ظلت أقل ظهوراً، من خلال شخصية خادمةِ عائلتها ومربّيتهم، بايزي. تظهر بايزي في عدة أعمال بالمعرض، أحياناً مع ابنة موريسو جولي، وتؤدي دوراً مزدوجاً كمربّية ونموذج. تُصوّر أيضاً وهي تخيط، حيث تحوّل يداها اندفاعاً تعبيريّاً من الخط في لوحة “بايزي تخيط في الحديقة ببوجيفال” (1881).

تصوير موريسو للخياطة والتطريز وسائر فنون النسيج ليس مجرّد إبراز لمواضيع نسائية فحسب، بل يتردّد صدى تلك الممارسات في جودة اللوحة الشكلية نفسها. فرَتَمُ فرشاتها كثيراً ما يحاكي تكرار الغرز في العمل المطرّز؛ تعالج الخط كمادّة تذكّر بملمس الخيط، وتشقّ مساراً نحو ماديّة الطلاء التي تجتمع مع الحِرفة.

قد يبدو محرجاً أو تقليليّاً التركيز على الأطفال والخياطة في أعمال موريسو، كأنه إعادة إنتاج للصور النمطية الجندرية التي يسعى المعرض لتفكيكها. ومع ذلك عاشت موريسو ورسمت في عالمٍ محدَّد بتلك الأعراف، وتجاهلُها قد يعني إغفال خصائصها الفريدة. ينتهي المعرض بصورة ذاتيّة لها من عام 1885 في أقصى جرأتها وزهوها، تحدق في المشاهد وسط هياجٍ من ضربات الفرشاة. ومع أن مثل هذه الجرأة في امرأةٍ من القرن التاسع عشر تستحق الاحتفاء، فإنني بعد مشاهدة المعرض أجد العمل يميل أكثر إلى أسلوب مانيه، ما يحجب بعض إسهامات موريسو الأدقّ في تجسيد العتمة الداخلية والطفولة وثقل الخط.

أضف تعليق