يسر معرض بابليك ان يقدم «سيل»، معرضًا فرديًّا يضمّ مشاريع رسم ونحت جديدة للفنانة المقيمة في برلين كاثرين هوفمان، حيث تتجلّى أعمالها في شدة جسدية وإرهاق نفسي ناجمين عن عصر فيض المعلومات. لم تعد شخصيات هوفمان تمارس إيماءات مبالَغًا فيها من الرغبة أو تهرّجًا مسرحيًا قبيحًا؛ بل تحتل حالات من توتر ممتد وضغط متراكم، راسخة على عتبة بين الصمود والفعل.
لطالما كانت ممارسة هوفمان تهتمُّ بالحالات أكثر من الأشخاص — شخصياتها غالبًا ما تحفظ أوضاعًا زمنية، ويحدُّ حبسها إمكانات القماش نفسه. في تحول شكلي لافت، تتجه أعمالها الأخيرة نحو الأحادية اللونية: درجات من البني المحمَّر، من الأوكر الداكن الى الصدأ والطين، تهيمن على اللوحة. عنوان المعرض «سيل» يعمل مجازًا وموقعًا في آن واحد: معماريًا، السيل يشير إلى شرفة أو عتبة — موضع توقُّف وراحة، لكنه أيضًا موقع استهلاك متلصص. جيولوجيًّا، يشير إلى صفيحة من الصهير تدخل في صخور قائمة، فتبرُد وتتصلّب في موقعها. تثير طبقات الرواسب ونواة الأرض، وتلقن أسطح اللوحات الرملية والخشنة العين المتحرّكة أن تتوقّف وتقاوم سرعان الاستهلاك الرقمي، فتغرز فعل المقاومة في سكون شخصيات هوفمان وتبرز اهتمامًا متطوّرًا بالكسل الراديكالي.
يتأسّس المعرض أيضًا على مفهوم الـacedia، وهو مصطلح قديم يصف تعبًا وجوديًّا حيث تستمر الحضور ولكنّه يصبح غير مستقرّ. يدُلُّ المصطلح على حالة يقظة بالتحمّل، إمكانية معلّقة تبقى قابلة للفعل نظريًا لكنها غير قادرة على التكشف. النحت الخرساني «الوصول إلى القعر وتسميته ارتفاعًا» (2026) يجسّد هذه الحالة؛ أطرافه الملتوية، جذعه المقلوب، وأصابع قدميه الملتفّة تضغط الحركة إلى حالة ركود. وفي عمل «لا تنس شكلي» (2026) يسجّل تقاطع الساقين وانحناءة الظهر هذا الإجهاد بشدّة خاصة.
في «الوهج الذي يبقينا يقظين» (2026)، يتحوّل جذع ممدود إلى حاضر مُعلّق، لا يقدر سوى على أبسط امتداد لأصبع واحد. يؤكّد الأفقية ليس فقط كاهتمام شكلي، بل كعنصر يربط الجسد بالمنظر الطبيعي. تبرز هوفمان مفارقة حالنا النفسي: وعي معزّز في مقابل قدرة متناقصة متزايدة. هنا يتخذ الكسل الراديكالي بعدًا جديدًا، كموضع مضاد لمطلب الفعل الدائم الذي يسيطر على لحظتنا الراهنة.