مجلة جوكستبوز سينغا سامسون «أوكوفوثيلوا» — غاليري وايت كيوب، نيويورك

معرض الرسام الجنوب أفريقي سينغا سامسون للأعمال الزيتية الجديدة يحمل عنوان “Ukuphuthelwa”، كلمة من لغة الإيسيخوسا الأم عند الفنان تعني بالعربية «غير قادر على النوم». خلافاً لمصطلح «الأرق» بالإنجليزية، لا تحمل الكلمة الإيسيخوسا دلالة سلبية لدى سامسون؛ فالسهر عنده ليس مرضاً ينبغي علاجه، بل حالة يقظة روحية وحساسية تتعاظم في الظلام. في لوحاته المميزة ذات طيف ألوانٍ كَثيفٍ يقارب السواد—فحموي ودرجات عميقة من الأزرق البروسي—يصوّر سامسون مشاهد من شخصيات شبيهة بالبشر، كلاباً في حقولٍ مفرطة النمو، وبورتريهات لنباتاتٍ محلية جنوب أفريقية. تشجع هذه الأعمال على تأملٍ بطيءٍ ومتمعّن، ويسودها إحساس بالجاذبية الوجودية، محاولةً لتجسيد واقع شاسع في حركة دائمة. يواجه الفنان مسألةً أساسية تتعلق بكيفية إنتاج «لوحة حقيقية وصادقة»، ويستمر المعرض حتى 18 أبريل 2026.

بـ”Ukuphuthelwa” يتأمّل سامسون دوره كفنان أمام عجزه عن تمثيل كل الحقائق الكاملة للواقع؛ فهو يقرّ أنه لا يستطيع سوى صناعة رموز. بين العلامة المرسومة الثابتة والتجربة السائلة التي تشير إليها، يرى وجود فجوة لا تغلقها أي صورة. ورغم براعة التنفيذ والواقعية المقنعة التي تدعو للتأويل، يؤكد الفنان أن عمله يواجه ذات معضلة التمثيل: الصورة تظل رمزاً نسبياً لما تعكسه ولا تكون مكافئه. مع اعترافه بالطبيعة المفتوحة للرموز وتعددية قراءتها، يستشهد سامسون بصورة الكلب كمثال؛ فقد ينظر المشاهد إلى لوحة Intsingiselo II (2026) فيقرأ الولاء المتعارف عليه عند الكلاب، بينما قد يرى فهم أماخوسا دلالةً على مبادئ الحماية والإرشاد التي ينقلها الأسلاف. لا تهرب لوحات سامسون من حدود التمثيل، بل تسعى إلى توجيه مهاراته نحو ما يتجاوز القابل للتمثيل، باحثةً عن سلطة ما لا يُسمّى وإقليم السامي، حيث لا يكون الإله منفصلاً عن الأشياء بل حاضراً في لُغة كل الأشياء.

يقرأ  جيف كونز يعود إلى غالوسيان بمعرضه الأول في نيويورك منذ سبع سنوات

تركيباته الكبرى تنبض بخشوع وطقوسية محسوسة. في Umlindo (الحارس) (2026) تتجمع شخصيات في فسحة غابية مع باقات زهور برية وأشرطة من القماش، مشهد يحمل قواعد بصرية للطقوس دون تحديد لمخاطبها أو شروطها. بالنسبة إلى سامسون، «الطقس نفسه ليس المهم — إنه باب إلى ما وراءه»، وتستعمل اللوحات جماليات الطقس للتحدث عن احتياج جماعي إلى التوجيه، وعن قدرة الطقس على الوساطة في مواجهة مجهولٍ شاسع. وعنوانات الأعمال بكلمات غامضة بالإيسيخوسا، مثل Imfihlo (سرّ) وIntsingiselo (معنى) (كلاهما 2026)، تلمّح إلى نفس الإشكالية التي تتعامل معها اللوحات: لِـمَ تظلّ التفسيرات هشة فيما يتعلق بما يمكن معرفته وما يفوق المعرفة؟ فكل كلمة في الإيسيخوسا تحمل ثِقلاً لا تستطيع ترجمته الإنجليزية أن تضاهيه؛ وهنا، كما بين العلامة المرسومة والمرجع الحي، ينزلق المعنى بين شقوق لغتين.

الأشياء والأشخاص والمشاهد المتكررة في هذه الأعمال وفي مجموع عمل سامسون قابلة للتعرّف ويومية، ومع ذلك يَحتفظ كل منها بغموضٍ غير مُعلّل. في Tshee (2026) تمتد بساطات حقول واسعة، تتلاقى الأشجار المُظلَّلة مع سماء معتمة، لكن فراغ الليل يقطعه سحابة مضيئة بغُمر القمر، إذ يزعزع بياضها البهيّ جوّ الرهبة البارد المفعم بالعظمة. يقول سامسون: «السماء يمكن أن تكون ودودة جداً، لكنها أحياناً ثقيلة ومظلمة ومرعبة. هي ذات الطاقة، لكنها تتجلى بأشكال مختلفة»، مستحضرًا تذبذباً بين القابل للمقاربة وما يطغى عليه الذي يذكّر بمساحات السامي الشعورية. في Sithini ngelilitye (2026) تتكثف نفس الإحساس: يبرز من بين الشجيرات الصخرية نتوء صخري، سطوحه موصوفة بتفاصيل جنائية مقابلةً سماءً شبه مغسولة، مما يملأ المشهد بجلالٍ صامت.

بتوظيفه الضوء «كما لو كان خدعة سحرية»، يمنح سامسون لوحاته إيقاعاً فريداً — وميضاً يظهر ويتبدد عبر سطح الصورة، مانحاً درجات متفاوتة من الظهور للمشاهد الليلية المظلمة. مولِّداً اهتزازاً بصرياً ونفسيًا في آنٍ واحد، يترك الفنان أجزاء واسعة من الرسم التمهيدي ظاهرة ليمنح العمل لحظات من الشفافية. ففي Isiganeko (2026) مثلاً، تُطبَّق طبقات رقيقة من الغليز ثم تُمسح بأسلوبه المألوف، كأسلوب لبناء اللون يمنح الشخصيات كثافة لونية كئيبة، بينما تُترك في أماكن أخرى، في الشجيرات وفي الطائر الملتقط في منتصف الطيران، خطوط الرسم التمهيدي مكشوفة تماماً. وفي كل شخصياته تُترك بؤبؤات العيون غير مصبوغة لتسمح بـ«الضوء» أن يدوّر أكثر، قرار يجعلها مسامية، بحيث تكون «واحدة تماماً مع اللوحة بأسرها». من دون بؤبؤ، لا تتحوّل هذه الشخصيات إلى هويات منفصلة، بل إلى أشكال «إنسانية» متشابكة مع مناخ اللوحة ومناظرها، لا يملك أحد العناصر السيطرة الكاملة على الآخر.

يقرأ  فيينا تغلق متاحفها وتقلّص مواعيد فتحها بسبب التقشّف

حين تتبدّى «خدعة» الرسم، يبدو أن أعمال سامسون تتراجع عن التظاهر أو الوعد المرفوع بالتمثيل. ما تصبو إليه «Ukuphuthelwa» ليس التسامي الفردي الخاضع، بل السرُّ الذي يمكن أن يُستخرج من الأشكال العادية، سِحرٌ فطري متاح لمن هم حسَّاسون له. هذه هي الحالة التي يصفها العمل في نهاية المطاف: ليست غياباً أو نقصاً، بل فرط حساسية يمنح كل شيء في الوجود قدرة متكافئة على استثارة الدهشة أو الخوف. شخصياته بلا بؤبؤ لا «تنظر» إلى الخارج لأن معرفتها تنبع من داخل العالم الذي تسكنه، معرفة مشتركة تقع بين أوراقٍ منحنية، كلب يقظ، طائر في الطيران، وظلال السماء الليلية التي تلفهم جميعاً. في يدي سامسون، كل جهاز بصري وكل نموذج تمثيلي يوسّع ما لا يمكنه احتواؤه، خدمةً للرسم «لشيء يربطنا بالله — وبالله أعني كل شيء».

أضف تعليق