همساتُ الهواء لوحات كايسي ويلدون

عمل كيسي ويلدون يشبه بيت المرايا في الملاهي: مرآة كبيرة لا تقوم بتمديد أو تشويه زائريها فحسب، بل تحاصر الثقافة الأمريكية ذاتها، فتنعكس فيها صور تكبّرُ الأبعاد وتُقلب الديناميات التي نعيرها عادةً قبولنا الصامت. تتجلّى لوحاته في نساء جميلات تتوشّح رؤوسهن بطوق من الرصاص والسجائر؛ في بشراً عملاقين يُصغّرون من حولهم المشاهد الصناعية إلى نماذج لعبة؛ وفي القطط ذات العيون الأربع، تلك المخلوقات الجاذبة النابذة في آنٍ معاً، كصورٍ بصريةٍ سحرية تعكس نشوة الانتشاء وسحب الانسحاب لدى مدمني الإنترنت المبتلين بالميمات.

لمَنْ يُتوقَّع أن يكون فناناً دخل للتو منتصف الثلاثينيات، فإن تاريخ ويلدون —المنشأ من جنوب كاليفورنيا وتخرّجه من كلية الآرت سنتر للتصميم في باسادينا— يَظهر من حيث الكم والنوع كأنتاج هائل متنوع لا يكاد له قرار. تنتقل إبداعاته بين تكريمات ثقافة البوب في ثمانينات القرن الماضي إلى بورتريهات لنساءٍ فاتنات ذوات عيونٍ واسعة كالصحن، يتلألأ فيهن ضوء خفي لانتهاكات سرية. الخيط المشترك بين كثير من لوحاته، مع ذلك، هو هوسٌ بإعادة إنتاج الواقع بسخرية لاذعة أو بنسخ نقدية مرحة، واقعٌ قد نملك ميلًا لقبوله كما يبدو على السطح. لكن هذا الحِدّ اللاذع لم يَكن دائماً حاضراً؛ ومن أقوى القوى التي شكلت عمله كان الحنين. «الحنين شعور يصعب وصفه» كما يشرح ويلدون، «أشعر به عندما أرى شيئاً لم أفكر فيه منذ زمن، يجعلني سعيداً وحزيناً في آنِ واحد. لقد أصبحت مهووساً بمحاولة تفسير هذا الشعور والتعبير عنه.» تظهر تجليات الحنين الصريحة في أعمال مثل «AT‑AT في ملعب الأطفال» و«ثأر روس»، حيث يحضر رمز حرب النجوم ومقدّم برنامج Joy of Painting، بوب روس، الذي قامت له ثقافة كبيرة على منوال الحنين أثناء بثه، وكان قادراً على دفع طفل مشاغب إلى حنين رقيق لأزمنة أبسط. لكن، كما يعترف ويلدون، «صار من الصعب للغاية الإشارة إلى شيءٍ لم تُسجّله وسيلة أخرى قبلاً.» الحنين، خاصةً ذاك السهل الوصول والإظهار، صار سلعة ثقافية، فصار يعاني مثل سائر السلع الثقافية من فرط التشبع في أمريكا المُكثفة تجارياً والممتدة إنترنتياً.

يقرأ  مجلة جوكستابوزجيني كايسي: نقيض الخواءمعرض ميغان مولروني — لوس أنجلوس

الحنين شعور يصعب وصفه… لقد أصبحت مهووساً بمحاولة تفسير هذا الشعور والتعبير عنه.

ولحسن حظ ويلدون، يرتفع جزء كبير من عمله فوق مستوى الميمات والألغاز البصرية، ليستدعي لدى المشاهد حنيناً بائساً أعمق وأطرأ على الذاكرة الجمعية لظواهر صاخبة. خذ مثلاً «أيام الخمول»: توأمان ترتديان تيشيرتات بلا أكمام منقوشة بحبات الكرز وشورتات جينز، تجلسان ساقاً فوق ساق، تمسكان نسخة مصغّرة من عربة التخييم «لازي دايز». تمنح هاتان الشخصيتان الإطارَ بوجودهما الضخم، لكن الغابة الماجنتا الباهتة، الكئيبة والمخدرة بضباب وردي بهيم، تبدو وكأنها تسيطر عليهما. في يد ويلدون، تتحول عربة التخييم إلى تعويذة نفيسة لعالم أركاديا خالٍ من التكنولوجيا، لعُطلات الطريق والتخييم والغوص العفوي في الطبيعة. الفتاتان الجميلتان، الرقيقات النائحات، هما في الآن ذاته موضوعان للحنين ونَاعسات عليه، يحتضان العربة كذكرى محبوبة لزمن ونمط حياة فقدا إلى الأبد. تتبع أعمال مثل «رعب الضواحي» و«جزيرة كوني» نفس النسق، مذكّرةً إيانا بأن الحنين يُشعر به بأقوى ما يكون حين يكون إحساساً مراوغاً، رقيقاً وممتدّاً إلى ما عرفناه ثم نسيناه.