آرت بازل قطر: نحو توازنٍ جديدٍ في الشرق الأوسط — أخبار الفن والثقافة

آرت بازل قطر تفتتح أولى فعالياتها في قلب المشهد الفني بالدوحه بمهرجان فني على طراز المعارض هذا الأسبوع، إذ افتُتح للضيوف الخاصين أولاً ثم للجمهور العام، مصحوباً بسلسلة محادثات ألقاها صوتٌ من الأصوات البارزة في عالم الفن، وتوزعت فعالياتها في أحيـاء مشيرب الراقية بالعاصمة.

تُعد هذه الدورة الخامسة في جدول فعاليات “آرت بازل” بعد النسخة الأم في سويسرا، والتي امتدت إلى محطات فنية مرموقة في باريس وهونغ كونغ وميامي؛ وتأتي أهمية الحدث كونه أول إقامة لآرت بازل في منطقة الشرق الأوسط.

في مركز الفعاليات، استضاف منتدى م7 الثقافي عرضاً لأعمال باولو بيكاسو وجان-ميشيل باسكيات وشيرين نشاط، إلى جانب أسماء معروفة أخرى، بينما امتدت المعارض عبر صالات متعددة، متجاوزة الفناء الفخم البسيط حيث وُضِعَتْ قطعة تفاعلية من خشب الرقائِق والخرسانة للفنانة الجنوب أفريقية سماية فالي، مُمتدة نحو حي تصميم الدوحة.

توقفت عائشة أحمد، فنانة قطرية تبلغ من العمر 25 عاماً، طويلاً أمام كل عمل لتتأمل تفاصيله؛ وقالت إنها بالكاد تُصدق أنها ترى هذه الأسماء الفنية في بلدها. وأضافت: «لو أردت مشاهدة فن بمثل هذا المستوى لكان لزاماً عليّ السفر إلى الخارج. هذا شيء مثير للسكان المحليين ورائع أن ترى زواراً من دول مختلفة يأتون خصيصاً لهذا البلد».

قاد المخرج الفني وائل شوقي تصميم المعرض بمقاربة توازن تمثلية واضحة، فخُمِّنت نسبة الفنانين من الجنوب العالمي — وخصوصاً الشرق الأوسط — بنحو نصف التمثيل. كما ابتعد شوقي عن الشكل التقليدي لأجنحة المعرض التي تُعرض فيها قطع فردية قابلة للشراء فقط، فاختار تنسيقاً أشبه بصالات عرض؛ ما منح كل فنان مساحة مخصصة لعرض مجموعته الكاملة.

تخصّصت آيزة أحمد، فنانة من الشتات الباكستاني تقيم بين الولايات المتحدة ودبي وتبلغ 28 عاماً، بزواية كاملة مخصّصة لها، حيث عرضت لوحات قماش موسلين متدفقة مختلطة الوسائط تُصوِّر رجالاً بملامح أكبر من الحياة يرتدون زيّاً عسكرياً أو زيّ الخدمة بمختلف تدرجاته. قالت إن توجيه شوقي منحها المجال لتصقل عرضها وتقدّم عملاً يتجاوب به جمهور منطقتها.

يقرأ  دين سير العمل في التعلم والتطويروكيف يزيله وكلاء الذكاء الاصطناعي

استقت آيزة إلهامها من مشهد احتفالية العلم عند الحدود الهندية-الباكستانية في واجه-أتاري، حيث يؤدي حرس الحدود احتفالاً يومياً تُشجِّعه حشود المتفرجين على جانبي الحدود. كانت في العاشرة من عمرها عندما تركت الحدود التي رسمها الاستعمار البريطاني أثراً عميقاً في ذاكرتها، لا سيما في ضوء تاريخ هجرة أسرتها من الهند إلى بنغلاديش ثم إلى باكستان بعد انفصال بنغلاديش عن باكستان الشرقية عام 1971. وبخصوص العمل مع شوقي، وصفت التجربة بأنها «حلم تحقق وامتياز حقيقي؛ فقد كان التركيز فنياً بامتياز، وقد تشرفت بالحوار معه عن قرب».

من جهة أخرى، عرض الفنان الفلسطيني خليل رباح من القدس instalation عنوانه «الانتقال» في مدخل حي تصميم الدوحة، حيث استعمل عناصرٍ مستمدة من الحياة المنزلية ومواد بناء متروكة، محوِّلاً الأشياء المعثور عليها إلى أشكال تماثل التمثال، لتجسد مفاهيم الاقتلاع والبقاء وإعادة البناء.

زار لوَجين (27 عاماً) وآلية (25 عاماً) من البحرين المعرض رفقة أسرتهما، وقالتا إن رؤية فنون تمثّل المنطقة والعالم كانت بداية مرحّباً بها. وعبّرت آلية: «أريد أن أرى فنانين من منطقتنا على نفس المنصة ونفس مستوى الرؤية، كي لا تشعر أن هناك سقفاً مفروضاً بسبب أصلك». وأضافت لوَجين أن للفنانين المحليين والإقليميين مهارات وقصصاً مختلفة تستحق الحضور والمنصة: «لهم قيمة متساوية لأن لديهم طموحات، ويجب إعطاؤهم الوزن الذي يستحقونه».

ومن بين الزوار، قال نزار يحيى، رسام عراقي يبلغ من العمر 60 عاماً جاء من ولاية تكساس الأميركية خصيصاً لحضور آرت بازل قطر، إن اختيار شوقي للأجنحة والفنانين تميّز بتوازن رفيع لم يَشِعْر به كحضور كرمز دعائي فقط، بل كتعبير صادق عن تمثيل فعلي للفنانين الملونين. وأضاف أن جسامة هذا التمثيل مهمة لأنه «تظهر أن لدى البلدان العربية فنانين جادين وذوي شأن».

يقرأ  فنان العصر الذهبي الهولندييتصدّر مزاد كريستيز بلندن لأساتذة الفن القدامى

قدّمت سارة المهيري، فنانة إماراتية تبلغ من العمر 27 عاماً، سلسلة أعمال هجينة من الوسائط المختلطة بين اللوحة والنحت بألوان أحادية في معرضها «ملتوية المركز» في صالة رقم 2 بحي تصميم الدوحة، واعتبرت أن آرت بازل قطر ليس حدثاً فحسب بل منعطفاً أساسياً لمشهد الفن في الشرق الأوسط. قالت: «المنطقة دائماً كانت جدية ومهمّة في الفنون والثقافة، ومع لحظات كهذه—ومع قدوم فعاليات مثل فرِيز إلى أبوظبي في نوفمبر—تتضح الصورة: هنا المركز الآن، وهنا يجب أن تتجه الأنظار».

تجلّت في أروقة المعرض أعمال فنانيين محليين وإقليميين وعالميين، من بينها سلسلة “جبس” للفنان محمد مناصر، في مشهد عام أعاد تأكيد قدرة الدوحة على أن تكون محطة ثقافية دولية تجمع بين التاريخ والحداثة، وبين أصوات متعددة تبحث عن مساحة للاحتكاك والإبداع.

أضف تعليق