اشتدّ وقع الشتاء على سكّان غزة المحصرة، فزاد من قسوة حياة ملأها المعاناة المستمرة، لا سيما لدى الجرحى والأطفال وكبار السن. مئات الآلاف في الأراضي الفلسطينية نزحوا قسرياً وهم يكافحون للبقاء على قيد الحياة بمقدار ضئيل من المساعدت الإنسانية التي تسمح إسرائيل بدخولها.
الطفل الذي يبلغ من العمر تسع سنوات، أسعد، فقد يده اليسرى إثر قصف طال مجموعة أطفال كانوا يلعبون في الزوايدة بوسط غزة، كما أصيب في ساقه. ومع حلول البرد، تتصلّب أعمدة ومسامير التثبيت المعدنية في ساقه فتجعل كل خطوة بطيئة ومؤلمة بشكل شديد. قال لـــ”الجزيرة”: «لا أستطيع اللعب مع بقية الأطفال لأن ساقي ويدي تؤلمانني كثيراً في الشتاء». وأضاف: «لم أحصل على طرف صناعي، وأجد صعوبة في خلع ولبس ملابسي، والذهاب إلى المرحاض في هذا البرد تحدِّ حقيقي. من دُون والديّ لا أستطيع أن أدبر أمري. في الليل يصبح البرد قاسياً إلى ما لا يُحتمل».
رغم الهدنة التي أعلن أنها سارية منذ العاشر من أكتوبر، فقد بقيت هشة وظلّت في الغالب وقف إطلاق نار بالاسم فقط، حسب شهادات فلسطينيين ومنظمات حقوقية بعد عامين من حرب مدمرة. في المخيّمات المزدحمة — وغالباً في خيام متضررة ومحاطة بالطين — لا تزال ظروف الحياة قاسية للغاية، حيث يحاول الناس البقاء بموارد قليلة أو منعدمة، ما يجعل الحياة أصعب للفئات الأضعف.
قصة ثانية من شدة البؤس: والدة شابة اسمها وعد مراد (18 عاماً) نجت من هجوم قضى على كامل أسرتها — سبعة أقارب في ضربة واحدة. تعيش الآن بإصابة مغيّرة للحياة، وبانخفاض درجات الحرارة تشتد آلام الأعصاب لديها، ويغادرها النوم وتتهدّد أي بارقة تعافٍ كانت بدأت تحس بها. قالت: «لا أستطيع أن أبقي نفسي دافئة لأن البرد القارس يجمّد القضبان والمسامير المعدنية المثبتة». وأكدت: «أعيش في خيمة بلا أي تدفئة. كلما سمعت الريح أشعر أن الألم سيزداد لأن البرد يؤثر أكثر على أجهزة التثبيت المعدنية».
شهدت المنطقة ليالٍ بمتوسط درجات تتراوح بين ثمانية واثني عشر درجة مئوية خلال الأيام الأخيرة. ووفق بيانات الأمم المتحدة، دُمّر أو تضرر نحو ثمانين في المئة من المباني في قطاع غزة. وقال أمجد شوا، مدير شبكة المنظمات غير الحكومية الفلسطينية في غزة، إن نحو 1.5 مليون من أصل 2.2 مليون نسمة فقدوا منازلهم. ومن أكثر من 300 ألف خيمة مطلوبة لإيواء النازحين، «لم نتلقَّ سوى 60 ألفاً»، محمّلاً القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات الإنسانية مسؤولية التأخير والنقص.
على الصعيد الدولي، أثارت إسرائيل موجة استنكار بإعلانها الأخير تعليق عمل عدد من المنظمات غير الحكومية الدولية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. أعرب أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلق بالغ ودعا إلى التراجع عن هذا القرار. وقال المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دو جارك، إن «هذا الإعلان يضاف إلى قيود سابقة أرجأت دخول مواد غذائية وطبية ومواد نظافة ومأوى حيوية إلى غزة»، وإن هذه الخطوة «ستفاقم أكثر الأزمة الإنسانية التي يواجهها الفلسطينيون».
دعت عدة دول في الشرق الأوسط وآسيا إلى السماح بـ«توصيل فوري وكامل وغير معرقل» للمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة مع تعاظم العواصف الشتوية التي تضرب القطاع المدمّر. في بيان مشترك حذر وزراء خارجة قطر ومصر والأردن والسعودية والإمارات وتركيا وباكستان وإندونيسيا من أن تدهور الأوضاع ترك نحو 1.9 مليون نازح في وضع هش للغاية. وأضاف البيان أن «المخيمات المغمورة، والخيام المتضررة، وانهيار المباني التالفة، والتعرّض لدرجات حرارة منخفضة مقترنة بسوء التغذية، زادت بشكل كبير من المخاطر على حياة المدنيين».
في وقت سابق من الشهر، شهدت غزة موجة أمطار وبرودة أدت إلى سقوط عشرات الضحايا؛ فقد تسبّبت انهيارات مبانٍ متضررة من الحرب أو التعرض للبرد في مقتل ما لا يقل عن 18 شخصاً، وفق الدفاع المدني Gazan، بينما أفاد مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أن 17 مبنى انهار خلال العاصفة وأن نحو 42 ألف خيمة ومأوى مؤقت تعرضت لأضرار كليّة أو جزئية.