مع دخول الحرب الشاملة في أوكرانيا عامها الخامس، لا تزال النخب السياسية الروسية مقتنعة بأن قائدها، فلاديمير بوتين، لم يرتكب خطأ قاتلاً عندما أطلقها في شباط/فبراير 2022. بل على العكس، تنظر هذه النخب إلى الوراء بشعور من الإنجاز، ولها أسباب وجيهة للاعتقاد أن الحرب تنتهي وفق شروطها، وربما قريباً.
من السمات اللافتة لهذا الصراع الفجوة بين التوقعات الروسية الحقيقية بشأنه وبين كيفية تفسير وسائل الإعلام والخبراء الغربيين لها. فالأخيرة تميل إلى وصف دوافع روسيا كتجسيد لما يُفترض أنه امتداد إمبريالي فطري وطموح لإعادة السيطرة على نصف أوروبا كما في العصر السوفييتي.
أما الدوافع الروسية الحقيقية فكانت أكثر عفوية وبراغماتية. وبشكل عام، يمكن اختصارها في رسم خط أحمر واضح ضد توسيع حلف الناتو باتجاه حدود روسيا، الذي كان — بدلاً من تصور إدماج روسيا المحتمل — يهدف بوضوح إلى عزلها واحتوائها.
عامل منفصل لكنه ذو دور مهم هو أن العناصر الأكثر عدائية وهوساً بالأمن داخل نظام بوتين استفادت دائماً من العداء الغربي المفتوح تجاه روسيا. التناغم الوثيق بين هذه النخب الأمنية واللوبيات المتشددة في الغرب التي تخدم المجمع العسكري-الصناعي يشكل مشروعاً مشتركاً مربحاً يكافئ الطرفين بالمال والسلطة. وفي حالة روسيا، سمح الصراع الشامل في أوكرانيا — الذي ترى فيه غالبية الروس حرباً بالوكالة مع الناتو — لهذه النخب الأمنية بإقصاء المعارضة الليبرالية الموالية للغرب التي كانت تهدد هيمنتها السياسية.
لكن كان في قرار بوتين أيضاً منطق ظرفي نابع من أحداث 2019–2021، حين سعى الرئيس الأوكراني المنتخب فولوديمير زيلينسكي إلى تقريب العلاقات مع روسيا، وهي سياسة أسفرت عن هدوء شبه كامل على طول خط الجبهة في منطقة دونباس حيث تصاعد نزاع منخفض الشدة منذ 2014.
تعرض زيلينسكي لضغط هائل من نخب الأمن الأوكرانية نفسها، وادعى أنه واجه تهديد انقلاب بسبب ما وُصف بـ«الاستسلام». وفي الوقت نفسه، واصلت اللوبيات المتشددة في الغرب إقناعه بأنه من الممكن هزيمة روسيا عسكرياً، لا سيما بعد انتصار أذربيجان على أرمينية في الأشهر الأخيرة من 2020.
في كانون الثاني/يناير 2021، عاد زيلينسكي عن سياساته تجاه روسيا، وتحول فجأة من حمامة إلى صقر، ساعياً لتخطي كل خطوط بوتين الحمراء بقمع حلفائه الأوكرانيين الرئيسيين والشروع في حملة عدائية لانضمام أوكرانيا إلى الناتو ومعارضة مشروع خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2. جاء هذا التحول بالتزامن مع تنصيب الرئيس جو بايدن في البيت الأبيض.
في آذار/مارس 2021 بدأ بوتين نشر قوات على الحدود الأوكرانية، لكن استمرّ التحدي السياسي والضغط المحفوف بالمخاطرة لمدة 11 شهراً قبل أن يطلق الغزو الشامل. وخلال تلك الفترة بدا شركاء أوكرانيا الغربيون أكثر حرصاً على مواجهة روسيا و”كشف نزقها” بدل العمل على منع الكارثة.
عندما شنت روسيا غزوها الوحشي، اتضح سريعاً أن خطتها تجري على نحو يشبه حرب جورجيا 2008، التي بَدَت كرد فعل على قرار ميخائيل ساكاشفيلي الطموح بإعادة السيطرة على إقليم جنوب أوسيتيا الانفصالي. كانت العملية تهدف إلى صدمة ورعب تخلق تهديداً وجودياً محسوساً للقيادة الأوكرانية في كييف، وإرغام أوكرانيا على قبول نسخة أكثر مرارة من اتفاقات مينسك الموقعة عام 2015 والتي لم تُنفَّذ منذ ذلك الحين.
الأمل كان تجنب حرب مطوّلة على طول خط الاتصال المحصّن في شرق دونباس. فشل ذلك المخطط، ربما بسبب سوء حساب لقوة الصمود الأوكراني وسرعة وصول المساعدات العسكرية الغربية واسعة النطاق. ومع ذلك، لا يرى الروس أن المحاولة كانت غير جديرة بالمخاطرة؛ ففي تهديدهم لكييف نجحوا أكثر مما كانوا يتوقعون بتأسيس ممر بري بين روسيا وشبه جزيرة القرم التي ضمتها عام 2014.
بعد أن تعثرت محادثات إسطنبول — وفقاً لمصادر دولية متعددة نتيجة تدخل أنجلو-أمريكي — اختار الروس إعادة التجمع، متخلين عن مناطق كانت السيطرة عليها ضعيفة وصعبة الحفظ، ومدخلين في حرب استنزاف مطوّلة على طول جبهة دونباس. كما رفعوا من تكلفة ما يعتبرونه تعنتاً أوكرانياً بفرض ضم رسمي لأربع مناطق أوكرانية محتلة جزئياً.
السنوات الأربع التالية كانت اختباراً ليس للأوكرانيين فحسب، بل للروس أيضاً. والأهم أن الروس يرون أنفسهم مقهورين في مواجهة آلة مجمع عسكري-صناعي غربية هائلة، تستخدم في نظرهم الأوكرانيين كقوة بديلة وقذائف بشرية. خلال العامين الأولين من الحرب، تنبأ المحللون ووسائل الإعلام الغربية بانهيار الجيش والاقتصاد الروسيين؛ صوِّر الجيش على أنه عصابة فوضوية منجنحة، والاقتصاد كعملاق قائم على أقدام من طين.
لكن لا الجيش الروسي ولا اقتصاده انهارا. فعلياً شهدت روسيا طفرة اقتصادية في العامين الأولين من الحرب، وكان الروبل من أفضل العملات أداءً عالمياً في 2025. وصمد الجيش الروسي أمام الهجوم المضاد الأوكراني عام 2023، الذي روّجت له القيادة الأوكرانية والصحافة الغربية على أنه تقدم سهل نحو القرم. وبعد ذلك استأنف الروس هجومهم البطيء، الساعي لكسر إرادة كييف أكثر من احتلال مساحات شاسعة. إلى جانب ذلك، أثبت الجيش الروسي قدرته على التكيف والابتكار، متقدماً تدريجياً في المجال الذي جعل هذه الحرب من أكثر أشكال القتال تطوراً تكنولوجياً — الطائرات المسيرة.
في السنة الخامسة من العدوان الروسي، تبدو أوكرانيا مدمرة بشكل شامل، ومهجّرة ومنحرفة عن مستقبل ديموغرافي واقتصادي، بينما تواصل المجتمع الروسي التمتع بأوضاع معيشية إلى حد بعيد تشبه ما قبل الحرب. الخسارة البشرية للحرب، التي تُقدَّر حالياً بنحو 200,000–219,000 قتيلاً حسب BBC/Mediazona، كبيرة بالنسبة لدولة يزيد عدد سكانها عن 140 مليوناً، لكنها تؤثر أساساً في الطبقات والمناطق الأكثر هشاشة، بينما تعفي إلى حد كبير الطبقات الوسطى الحضرية.
وبينما يستشعر بوتين طعم النصر، ينتظر بصبر أن يقرّ قادة أوكرانيا وأوروبا، المستثمِرون بقوة في نتائج وهمية لهذه الحرب، بالواقع على الأرض وأن يجدوا سبلاً لإلقاء اللوم على الآخرين بدلاً من أنفسهم تجاه الفشل الوشيك.
من المرجح أن يشهد هذا العام محاولات متعددة لتعطيل المحادثات المباشره الحالية بين روسيا وأوكرانيا. لكن تأجيل التوصل إلى تسوية سلام يأتي على حساب أرواح أوكرانية عديدة، وس TERRITORy وبنى تحتية حيوية دُمرت بالفعل. كلما طال أمد الحرب، ازداد احتمال أن يبتدئ الأوكرانيون بالشعور بالمرارة تجاه المشجعين المؤيدين للحرب في الغرب بمستوى لا يقل عن مشاعرهم تجاه سبب معاناتهم الرئيس، روسيا بوتين.
الأراء المعبر عنها في هذا المقال هي آراء الكاتب الشخصية ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.