طهران، ايران — تواصل قوات الدولة المسلحة بكثافة فرض سيطرتها على الشوارع، على الرغم من تصعيد الولايات المتحدة وإسرائيل لهجماتهما الجويّة واستعدادهما لاحتمال شن هجوم بري، فيما تتقدم الحرب التي قاربت الشهر دون أن يلوح في الأفق نهاية واضحة.
الطرقات تحفل بنقاط تفتيش وسدود دورية ودوريات، بعضها يقوده عناصر مقنعون يحملون بنادق هجومية ورشاشات مثبتة على سيارات بيك أب، ما أصبح منظراً معتاداً في شوارع طهران.
قصص موصى بها
كثير من نقاط التفتيش، التي تديرها قوات البسيج شبه العسكرية التابعة للحرس الثوري، أو الشرطة، أو عناصر بزي مدني، كانت هدفاً لضربات درون قاتلة خلال الأسبوعين الماضيين. لذا فهي غالباً ما تكون في حالة تحرك مستمر، أو متناثرة على الطرق السريعة وفي الأنفاق وتحت الجسور.
“عدت نحو أربعين سيارة مرت في حينا الليلة الماضية متأخرة وهي تطلق الأبواق وتومض بالأضواء وتلوح بالأعلام وتُؤمّن موكب شاحنة بيك أب مثبتة عليها مكبرات صوت ضخمة، وكان شخص يطلق شعارات دينية من داخلها” قال أحد سكان غرب طهران لـــقناة الجزيرة يوم الجمعة، طالباً عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية.
أضاف أن مكبرات الصوت دعت السكان المحليين مراراً للمشاركة في تجمعات بمسجد الحي للتنديد بالولايات المتحدة وإسرائيل وإظهار الدعم للمؤسسة الثيوقراطية الحاكمة منذ ثورة 1979.
تُقام مثل هذه التجمعات المدعومة رسمياً في مساجد عديدة، وكذلك في الساحات والشوارع، فيما تدعو واشنطن وتل أبيب الإيرانيين إلى البقاء في بيوتهم وانتظار “إشارة واضحة” للخروج إلى الشوارع والإطاحة بالجمهورية الإسلامية.
من ناحيتها، شجعت القنوات التلفزيونية الحكومية ووسائل الإعلام الموالية أنصار النظام على التشبث بالشارع، ونشرت بشكل متزايد لقطات لأشخاص مسلحين مؤيدين للدولة، بمن فيهم نساء يحملن أسلحة.
رحيم ندالي، نائب الشؤون الثقافية في الحرس الثوري بطهران، أعلن ليلة الأربعاء على التلفزيون الرسمي أن فئات عمرية مختلفة أعربت عن استعدادها للانخراط في دوريات الاستخبارات والأمن ونقاط التفتيش.
“لقد خفضنا حد العمر ليشمل من فوق 12 عاماً. الآن سيشارك أطفال في سن 12 أو 13 في هذا المجال”، قال.
إحساس يغوص في الصدر
سقطت سلسلة جديدة من الغارات الجوية عبر أنحاء ايران يوم الجمعة بعد الظهر، استهدفت موقعاً نووياً مدنياً ومحطات كهرباء وخطوط إنتاج الصلب ومصانع صناعية أخرى، وفقاً للسلطات الإيرانية.
نشرت واشنطن أيضاً آلاف الجنود إلى المنطقة وأشارت إلى أن محاولة احتلال جزيرة أو أكثر على السواحل الجنوبية لإيران قد تكون وشيكة.
تعهد مسؤولون إيرانيون بالرد بقوة إذا حصل ذلك، بما في ذلك استهداف بنى تحتية حيوية في أنحاء المنطقة.
نشر جَواد مَغوي، شخصية إعلامية مرتبطة بالحرس الثوري، فيديو من جزيرة قشم في وقت سابق هذا الأسبوع، موضحاً أن الحرس يمكن أن يطلق صواريخ وطائرات مُسيّرة على الجزر الإيرانية إذا احتلتها القوات الأمريكية.
رغم احتمال تصاعد الأمور، ومع تعرض مناطق عديدة في طهران لقنابل أُلقيت من طائرات حربية إسرائيلية وأمريكية، تواصل المدينة أداء وظائفها بينما يحاول الناس الحفاظ على شكل من أشكال الحياة الطبيعية.
يزور بعضهم الأصدقاء والأهل داخل المنازل، بينما يقضي آخرون نزهات نهارية للمحافظة على روتين أو يمارسون الرياضة في صالات رياضية تعمل لساعات محدودة.
“يبدو أن الحرب ستستمرر لأسابيع، إن لم تكن لشهور، فلا يمكننا أن نغرق في كل القلق والمخاوف المصاحبة لها” قال ساكن آخر للعاصمة، كان قد لجأ إلى إحدى المحافظات الشمالية في بدايات الحرب لكنه عاد الأسبوع الماضي.
“مع ذلك، لا يسعك إلا أن تشعر بغمرة في بطنك للحظة، عندما تسمع الطائرات تحلق فوقك وتتساءل إن كنت ستكون الهدف التالي”، أضاف.
سكان آخرون، من بينهم امرأة تسكن الأحياء الشمالية الأوفر حظاً التي شهدت اغتيال عدة مسؤولين كبار في مبانٍ سكنية منذ شروع الحرب، أعربوا عن قلق دائم.
“تعود أفكاري أحياناً تلقائياً إلى احتمال أن يكون مسؤول ما يقطن في زقاق مجاور أو منزل قريب، وأن يصبح عائلتي ضحية عرضية” قالت، مضيفة أنها خرجت من منزلها ثلاث مرات فقط خلال الشهر الماضي لشراء الضروريات أو زيارة الأسرة القريبة.
أعلنت السلطات الإيرانية مقتل نحو ألفي شخص منذ 28 فبراير نتيجة هجمات أمريكية وإسرائيلية، كما تأثرت وحدات سكنية كثيرة ومستشفيات ومدارس ومركبات مدنية بأضرار.
الاقتصاد تحت الضغط
من المتوقع أن تعيد المزيد من المؤسسات فتح أبوابها مع بدء أسبوع العمل الرسمي يوم السبت، بعد عطلة نوروز، عيد السنة الفارسية.
إلا أن الإنترنت قطع تماماً عن المدنيين لما يقارب شهراً، وهو أطول انقطاع مسجل في ايران. هذا الانقطاع عذب أكثر من 90 مليون نسمة وضاعف الضغوط على اقتصاد يعاني معدل تضخم يقارب 70 بالمئة.
عرضت وسائل الإعلام الحكومية شريطاً لزيارة شخصية من الرئيس مسعود بيزِشكيان لسوبرماركت كبير في طهران يوم الجمعة للتأكد من توافر السلع الأساسية وللمطالبة بعدم رفع الأسعار أو التلاعب بالتوريدات أو الاحتكار.
كما تواصل الحكومة توزيع مخصص نقدي محدود، بدأته بعد احتجاجات واسعة اندلعت في يناير بدوافع اقتصادية.
تقول الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية إن آلافاً من المتظاهرين قُتلوا على يد قوات الدولة، خصوصاً في ليالَي الثامن والتاسع من يناير، وسط انقطاع إنترنت شامل آخر، بينما تلقي طهران باللوم على “إرهابيين” و”مخربين” مدعومين من الولايات المتحدة وإسرائيل.
حذّرت السلطات الإيرانية من أن كل من ينزل إلى الشوارع للاحتجاج على النظام أثناء الحرب سيُعامل كـ”عدو”. أعلنت السلطات أيضاً عن تنفيذ عدة أحكام إعدام مرتبطة بالحرب والاحتجاجات، وعمليات اعتقال للمئات بتهم أمنية، ومصادرة أصول تعود لإيرانيين وُصِفوا بأنهم معارضون داخل البلاد وخارجها.
وفي تطور منفصل، أعلن الجهاز القضائي يوم الخميس مصادرة ممتلكات تخص علي شريفي زارچي، أستاذ سابق في علم المعلوماتية الحيوية والذكاء الاصطناعي في جامعة شريف للتكنولوجيا، التي تُعدّ من أبرز مؤسسات التعليم العالي في إيران.
وذكرت السلطات أنه «تحوّل إلى عنصر معاد لإيران ومؤيد للنظام الصهيوني» — في إشارة إلى إسرائيل — مستشهدة بتغريداته ومقابلاته خلال الأشهر الأخيرة، التي انتقد فيها النظام الإسلامي وهو مقيم خارج البلاد.
وردّ شريفي زارچي في منشور على منصة إكس قائلاً: «الممتلكت المتواضعة التي صادرتها كانت نتيجة خمسة وعشرين عاماً من تدريس المراهقين والشباب، ومن السعي من أجل إيران. إنها تضحیة صغيرة حتى من أجل ابتسامة واحدة من عائلات الأطفال والشبان الذين ذبحتموهم ظلماً». جاء هذا التعليق في سياق الإشارة إلى الاحتجاجات الوطنية في يناير 2026، وأواخر 2022 وبدايات 2023، ونوفمبر 2019.