أنهت روسيا عام 2025 ببيان وصفته كييف بأنه عملية معلوماتية تهدف إلى تفادي الانخراط في مفاوضات سلام واستئناف الحرب، رغم الخسائر الفادحة التي تكبدتها مقابل مكاسب إقليمية ضئيلة هذا العام.
اتهم وزير الخارجيّة الروسي سيرغي لافروف، يوم الإثنين 29 ديسمبر، أوكرانيا بمحاولة اغتيال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقر إقامته عند بحيرة فالداي، على بُعد نحو 140 كيلومتراً شمال شرق موسكو. وقال لافروف في بيان إن «نظام كييف شنّ هجوماً إرهابياً باستخدام 91 طائرة دون طيّار بعيدة المدى على الإقامة الرئاسية في منطقة نوفغورود. وقد دمرت أنظمة الدفاع الجوي التابعة للقوات المسلحة الروسية جميع الطائرات». ولم يذكر ما إذا كان بوتين متواجداً في المقر وقت الحادث.
سرعان ما رفض مسؤول وزارة الخارجية الأوكرانية أندريي سيبيها الاتهام، مؤكداً أنه لم تُقدَّم أيّة دلائل معقولة تدعم مزاعم هجوم أوكراني على مقر بوتين، وأن «لا هجوم من هذا النوع وقع». بعد يومين عرضت موسكو صوراً لحطام طائرات مسقطة في الثلج، لكن الصور لم تسمح بالتحقق من مكان صنع الطائرة أو زمان إسقاطها أو مسرح حدوثها.
وسائل معارضة مثل «سوتا» اعتبرت الحادث «تفخيخاً كريملينياً»، ونقلت عن سكان فالداي أنهم لم يسمعوا عمل أنظمة الدفاع الجوي التي يُفترض أنها أسقطت 91 طائرة. وأشارت الصحيفة إلى أن أي طائرة مسيّرة متجهة إلى فالداي ستضطر بالضرورة لعبور أجواء محمية خاصة تتضمن منشآت تابعة لقوات الصواريخ الاستراتيجية ومناطق عسكرية مغلقة — ما يجعل وصولها أمراً بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً.
كما تناقضت رواية لافروف مع إعلان سابق لوزارة الدفاع الروسية أفاد بأن عدد الطائرات المسقطة في منطقة نوفغورود ليل 28–29 ديسمبر كان 41 طائرة فقط؛ ثم عدلت الوزارة بيانها لاحقاً بالقول إن 49 طائرة أُسقطت فوق بريانسك وواحدة فوق سمولينسك «كانت تتجه صوب نوفغورود». ولا تخلو هذه الأرقام من تشكيك، إذ إن بريانسك وسمولينسك تبعدان مئات الكيلومترات عن فالداي.
وأشار معهد دراسة الحرب (ISW) في واشنطن إلى غياب الأدلة المعتادة التي ترافق مثل هذه الضربات: تسجيلات مصوّرة، بقايا حرارية، تصريحات رسمية محلية أو تقارير إعلامية محلية. بالمقابل، كانت هجمات أوكرانية ناجحة مثل ضربة مستودع نفط في ريبينسك في 31 ديسمبر موثقة جيداً عبر منصات التواصل، وكذلك هجوم على مصفاة نوفوشاختينسك قبل أسبوع، وعدد من الضربات الأخرى خلال الأسبوع نفسه.
ماذا حدث فعلاً؟
جاءت أنباء الهجوم المزعوم بعد يوم واحد من انتهاء محادثات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فلوريدا، والتي أفضت إلى وعد بمشاركة قوات أمريكية في ضمان أمن أوكرانيا بعد أي اتفاق سلام مع روسيا. وكانت هذه المرّة الأولى التي توافق فيها الولايات المتحدة صراحةً على مثل هذه الضمانات الأمنية، مما أثار تفاؤلاً لدى رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك بأن الحرب قد تنتهي مبكراً في 2026. وقال توسك في جلسة لمجلس الوزراء: «السلام يلوح في الأفق».
صرّح زيلينسكي أن حلفاء أوكرانيا، المعروفين بـ«تحالف المستعدين»، سيعقدون اجتماعاً في كييف في 3 يناير واجتماعاً آخر في فرنسا بعد ثلاثة أيام. إلّا أن بيان لافروف بدا وكأنّه يخفف من هذا التفاؤل؛ إذ أعلن أن «الموقف الروسي التفاوضي سيُعاد تقييمه»، وفي اليوم نفسه أصدر بوتين أوامر لقواته في جنوب أوكرانيا بمواصلة محاولات الاستيلاء على بقية إقليم زابوريجيا غير المحتل؛ موسكو تسيطر حالياً على ثلاث أرباع الإقليم.
رأى زيلينسكي أن روسيا «تبحث عن ذريعة» لتصعيد الأعمال العدائية والتهرّب من المفاوضات عقب لقائه مع ترامب، وكتب على منصات التواصل أن موسكو «تستخدم تصريحات خطرة لتقويض كل الإنجازات الدبلوماسية المشتركة مع فريق رئيس الولايات المتحدة».
على الرغم من موقف موسكو المتكرر الذي أحبط آمال ترامب في السلام عبر رفضها التخلي عن الأراضي المحتلة أو قبول وجود قوات أمريكية وأوروبية على الأراضي الأوكرانية، بدا ترامب ميالاً للاعتقاد بالاتهامات الروسية. قال للصحفيين: «لا يعجبني الأمر. ليس وقتاً لذلك»، وأضاف أنه «علم بذلك من الرئيس بوتين وكان غاضباً للغاية». غير أن مسؤولين أمريكيين آخرين ظلّوا متشككين؛ فقد اعتبر سفير الولايات المتحدة لدى الناتو ماثيو ويتاكر أن «الأمر غير واضح»، وأفادت صحيفة وول ستريت جورنال أن الاستخبارات الأمريكية خلصت إلى أن أوكرانيا لم تكن تستهدف مقر بوتين.
رسائل موسكو بدت أيضاً وكأنها جاءت لتظليل أو تقويض انعقاد لقاء زيلينسكي مع ترامب، مستعملةً تصريحات وتصوير محطات إعلامية لصالحها. عقد بوتين اجتماعات مسرحية مع قياداته العامة قبل وبعد لقاء زيلينسكي–ترامب، وخاطب القائد العام فاليري جيراسيموف خلالها مزاعم مبالغاً فيها عن النجاحات. زعمت موسكو أنها احتلت 6,640 كيلومتراً مربعاً واستولت على 334 تجمعاً سكانياً خلال 2025، بينما أظهر رصد معهد دراسة الحرب وجود حضور روسي في 4,952 كيلومتراً مربعاً و245 تجمعاً سكنياً.
من جهته قال القائد العام الأوكراني أولكسندر سيرسكي إن الأَراضي المفقودة تُشكّل نحو 0.8% من مساحة أوكرانيا البالغة 603,550 كم²، مُضيفاً أن ذلك تم «بتكلفة تقارب 420,000 قتيلاً وجريحاً روسياً». وقدّرت هيئة الأركان العامة الأوكرانية إجمالي خسائر روسيا في الحرب بأكثر من 1.2 مليون عنصر، وما يقارب 11,500 دبابة و24,000 مركبة قتالية مدرعة، وأكثر من 37,000 منظومة مدفعية، و781 طائرة، وآلاف الصواريخ.
بنهاية 2025، لم تتمكن القوات الروسية من السيطرة على بوكرفسك وميرونهراد في دونيتسك رغم محاولات استمرت خمسة أشهر، كما أنها لم تهيمن فعلياً على هوليايپولي في زابوريجيا الجنوبية رغم ادّعاء السيطرة على 55% منه. وحتى مراسلي الحرب الروس أقرّوا بتراجع القوات الروسية من كوبانسك في شمال خاركيف رغم ادّعاء السيطرة عليها، مع إشارة إلى إعادة توزيع احتياطيات كانت «غير ضرورية» وفق تقارير ناقصة أُرسلَت إلى القيادات العليا، وُسِمَ ذلك بـ«المبالغة المنهجية في النجاحات».
أما على صعيد الضربات على المدن الأوكرانية فكانت موثقة: في الأسبوع الأخير من العام أطلقت روسيا أكثر من 1,000 طائرة مسيّرة و33 صاروخاً على المدن الأوكرانية، وأعلنت القوات الجوية الأوكرانية أنها اعترضت نحو 86% من الطائرات المسيّرة و30 من الصواريخ.
(الجزيرة)