ألف هجوم بطائرات مُسيَّرة منذ أبريل 2023 — دور المسيَّرات في حرب السودان

خلال الحرب الأهلية السودانية التي اندلعت في أبريل 2023، اتكأ الجانبان تدريجيًا على الطائرات المسيره، وكانت الخسائر البشرية من نصيب المدنيين بصورة شبه مطلقة، حيث تكبّدوا عبءَ العنف والدمار.

الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع مثال واضح على كيفية تحويل الصراع بفعل الطائرات المسيّرة المتاحة تجاريًا والتي يمكن إخفاؤها بسهولة. هذه الطائرات، ذات الطبيعة المعيارية والقدرة على التحايل على العقوبات، أثبتت فعالية مدمّرة: قتلت عشرات المدنيين، وشلّت البنى التحتية، وأغرقت مدنًا سودانية في ظلام دامس.

في هذا التحقيق المرئي يستعرض فريق الجزيرة تاريخ حرب الطائرات المسيّرة في السودان، وأنواع الطائرات التي استعملها الطرفان، وكيفية مصادرها، وأماكن وقوع الهجمات، والحصيلة الإنسانية الناتجة عنها.

من جانجاويد إلى قوات الدعم السريع: تطور فنون الحرب

تنسب قوات الدعم السريع أصولها إلى مليشيا كانت وقتها مرتبطة بالحكومة ومعروفة باسم “الجنجويد”. حشدتها الحكومة السودانية خلال نزاع دارفور في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية لقمع التمرد في غرب البلاد. اتهمت الأمم المتحدة الجنجويد بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، شملت سياسة إحراق القرى والقتل الجماعي والعنف الجنسي.

في 2013، قام نظام الرئيس عمر البشير—الذي أطيح به في 2019 إثر احتجاجات شعبية مستمرة—بتقنين عمل هذه المليشيات وتحويلها رسميًا إلى قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي».

في 2015 انضم السودان إلى التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن لمواجهة الحوثيين الذين سيطروا على صنعاء. وإلى جانب الجنود النظاميين، أرسلت الخرطوم آلافًا من مقاتلي قوات الدعم السريع، ما مكن حميدتي من إقامة علاقات مباشرة مع قادة في الرياض وأبوظبي.

في بداياتها، اعتمدت الجنجويد على الأسلحة الخفيفة والشاحنات. ومع تحولها إلى قوات الدعم السريع تبنت مدفعية أثقل وفي نهاية المطاف الطائرات المسيره، ما منحها قدرة الضرب من مسافات بعيدة.

تصاعدت التوترات طويلة الأمد بين رئيس أركان الجيش عبد الفتاح البرهان وزعيم قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو في 15 أبريل 2023 إلى صراع مسلح. وكان لب الخلاف نزاعًا حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي—خطوة رئيسية في الانتقال المخطط إليه نحو الحكم المدني.

أدخلت الطائرات المسيّرة تحوّلًا في ميزان القوى لصالح قواتٍ كانت سابقًا تفتقر إلى التفوق الجوي الذي كان الجيش يملكه عبر مقاتلاته.

ما نوع الطائرات المسيّرة التي بحوزة الطرفين؟

يُعتبر تضاريس السودان المسطحة وندرة الملاجئ الطبيعية ملائمةً لعمليات الضرب والمراقبة بالطائرات المسيّرة، وفق مبادرة الاستخبارات مفتوحة المصدر Critical Threats.

يقرأ  فنان ينسج كونًا مظلم–لطيفًا من الضفادع والعظام وروح صغيرة غريبة«تصميم تثق به — يوميات التصميم منذ ٢٠٠٧»

منذ اندلاع الحرب، استعملت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع طيفًا واسعًا من الطائرات، من أنظمة قصيرة المدى إلى أخرى قادرة على الوصول إلى مسافات تصل إلى ٤٬٠٠٠ كم، مما يتيح استهداف أي موقع داخل السودان.

يمتد السودان شمالًا إلى جنوب مسافة تقارب ١٬٢٥٠ كم، ومن شرق إلى غرب نحو ١٬٣٩٠ كم—مسافات يمكن لطائرات مثل الصينية Wing Loong II والتركية Bayraktar TB2 التابعة لقوات الدعم السريع تغطيتها بسهولة.

طائرات القوات المسلحة

تشتري القوات المسلحة السودانية طائراتٍ مسيّرةً لغايات الاستطلاع والهجمات الدقيقة، ومعظمها يأتي من إيران، مثل الطائرة القتالية المهـاجر-6 التي زُودت للجيش في أواخر 2023. تستطيع حمل أجهزة مراقبة طيفية متعددة و/أو حتى ذخائر موجهة بدقة بحد أقصى يصل إلى ٤٠ كغم، ونطاق يصل إلى ٢٬٠٠٠ كم.

أظهر شريط فيديو تحقق منه فريق “سناد” في الجزيرة قصفًا بطائرات قوات الدعم السريع لخزان وقود في سِدُون بمنطقة عطبرة بولاية نهر النيل في أبريل، وفقًا لتحديثات حرب السودان.

طائرات قوات الدعم السريع

رغم أن قوات الدعم السريع لا تمتلك سلاحًا جويًا منظّمًا، فإن حلفاءها زودوها بطائرات مسيّرة من إنتاج صيني وصربي وأحيانًا تقارير تحدثت عن طائرات انتحارية صينية تستخدم في ضربات بارزة بمدى يصل إلى ٢٬٠٠٠ كم وحمولة تقارب ٤٠ كغم—ما يتيح ضرب مواقع شرقيًا حتى ميناء بورتسودان من مواقع يسيطرون عليها في الغرب.

كما نشرت قوات الدعم السريع طائرات أثقل من طراز FH-95 ذات حمولة تتراوح بين ٢٠٠ و٢٥٠ كغم وقادرة على إسقاط قنابل موجهة بالليزر؛ ورُصدت هذه الطائرات منظمات إنسانية في مطار نيالا بجنوب دارفور أواخر 2024.

انتشر في أبريل فيديو يوثّق ما يبدو أنه طائرة انتحارية اصطدمت بمنزل في الدبا بولاية الشمالية، وأفادت منشورات بأنها أودت بحياة ستة أفراد من أسرة واحدة بينهم طفلان.

ويتضمن أسطول قوات الدعم السريع أيضًا طائرة صربية الصنع من شركة Yugoimport ذات إقلاع وهبوط عمودي. هذه الطائرة الرباعية المراوح جرى تعديلها لتحمل قذائف الهاون كقنابل غير موجهة.

تكمن خطورة هذه الطائرات في قدرتها على تحقيق قوة نيرانية على مستوى المدفعية دون حاجة لوجود عناصر بشرية مكشوفة على الأرض. كثيرًا ما تستعمل لتشتيت الخصم، وإلحاق أضرار مادية ورمزية، لا بالضرورة لتحقيق تأثير تكتيكي دقيق ومستمر على ساحة المعركة.

يقرأ  قمة شنغهاي في تيانجين: الحرب التجارية الأمريكية والعلاقات الهندية–الصينية في صدارة الاهتمام

وتظهر لقطات منشورة على تيك توك مقاتلي قوات الدعم السريع يستخدمون طائرات رباعية الصنع غالبًا من مكوّنات تجارية ومحشوة بقذائف هاون. هذه الطائرات الخفيفة المعلّبة تدور حول تصاميم ارتجالية تحمل قذائف عيار ١٢٠ مم تنفجر عند الاصطدام، ما يجعل استخدامها عشوائيًا بشدة.

قال أندرياس كريغ، أستاذ مشارك في كلية الأمن في كلية كينغز بلندن، للجزيرة: «في ما يتعلّق بتكييفات قوات الدعم السريع، هناك قدر من الإبداع، وهو ما تتوقعه من قوة لا مركزية تمتلك قنوات إمداد خارجية. يبدو أن القوّات مستعدة لتسليح الطائرات الرباعية التجارية، وإعادة توظيف طائرات الزراعة أو اللوجستيات، وتعديل منصات تفوق تصميمها الأصلي».

المنطق التكتيكي عملي: تُستخدم الطائرات لتوجيه الإزعاج والتشتيت وضرب أهداف ذات قيمة رمزية أو اقتصادية، وليس دائمًا لتحقيق أثر دقيق ومحدد على أرض المعركة.

– أندرياس كريغ، أستاذ مشارك بكلية الأمن، كلية كينغز لندن

«ذلك النوع من التكيّف يزدهر في هياكل الميليشيات لأن سلاسل الموافقة أقصر والرغبة في الارتجال أكبر. كما أنه يتوافق مع تمكين خارجي.» كلما ارتبطت مجموعة بشبكة دعم عابرة للحدود، ازدادت قدرتها على اختبار مكونات وذخائر وتقنيات متعددة حتى تعثر على ما ينجح.

سلاسل الإمداد: من يزوّد الطائرات المسيرة وكيف؟

معظم الطائرات المسيرة الموجودة في السودان تُهرّب عبر شبكة من الداعمين الأجانب بواسطة البر والبحر والجو، متجاوزة العقوبات الرسمية بينما تستغل دول خارجية الفوضى لتحقيق مصالح جيوستراتيجية وتجارية.

دعم القوات المسلحة السودانية (SAF)
تُرجّح التقارير أن القوات المسلحة السودانية تتلقى تقنيات طائرات مسيّرة ودعماً عسكرياً من مصر وروسيا وإيران وتركيا، مع استخدام ارتريا كمحطة عبور وصولاً إلى ميناء بورتسودان، بحسب تحليلات كريغ ومشروع Critical Threats التابع لـ American Enterprise Institute. مصادر إعلامية بينها رويترز أفادت بوصول طائرات إيرانية من طراز مهاجر‑6 وقطع غيار أواخر 2023 وبدايات 2024 غالباً عبر رحلات شحن إلى بورتسودان، في حين وردت أنقرة بطائرات بيرقدار عبر مصر وفق تحليلات Critical Threats.

الرهانات الإقليمية
تحليل مؤسسات مثل Critical Threats ومعهد RUSI يشير إلى أن دولاً مثل إيران وروسيا لا تزوّد بالسلاح مجاناً، بل تطلب حضوراً إقليمياً بالمقابل؛ فإيران تسعى، حسب تقارير، إلى قاعدة بحرية على البحر الأحمر، وروسيا حولت دعمها من القوات الموالية عبر مجموعة فاغنر إلى دعم مباشر للـ SAF في 2024 مقابل إعادة تفعيل اتفاقية 2017 المتعلقة بقاعدة بحرية في البحر الأحمر.

يقرأ  غضب الجماهير يؤدي إلى تخريب استاد في الهند بعد مغادرة ميسي المبكرة — أخبار كرة القدم

دعم قوات الدعم السريع (RSF)
من جهة أخرى، تشير الأدلة إلى أن قوات الدعم السريع تحصل على تكنولوجيا الطائرات المسيرة ودعماً لوجستياً من الإمارات عبر محاور عبور متعددة تشمل شرق تشاد، جنوب السودان، جنوب شرق ليبيا، شمال شرق الصومال، وجمهورية أفريقيا الوسطى. مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس الحارث محمد، اتهم الإمارات علناً بتسليح الـ RSF أمام مجلس الأمن؛ وأنكر أبوظبي هذه الادعاءات، لكن تحليل المصادر المفتوحة وثّق عشرات رحلات شحن إماراتية إلى شرق تشاد منذ أبريل 2023. رويترز ذكرت أن ما لا يقل عن 86 رحلة مشتبه في حملها أسلحة للـ RSF هبطت بمهبط امدجاراس في تشاد.

آليات المحور والحماية
يقول كريغ إن الإمارات تقف في مركز المحور لأنها تملك قدرة شراء كبيرة، وبُنى تجارية تسهّل النقل، وصلات جوية، وشبكة وسطاء كثيفة تُمكّن من نقل أنظمة ذات استخدام مزدوج دون بصمة دولة واضحة. ومن هذا المركز تتفرع المحاور عبر اختصاصات توفر ستاراً من الحماية أو ضعف رقابي أو جغرافيا مفيدة.

أهمية مهبط اﻷمدجاراس تكمن في قربه من دارفور ومزيجه من حركة إنسانية وتجارية تمنح غطاء عملياً. صور الأقمار الصناعية أظهرت كذلك منصات ممونة بعلامات إماراتية تُفرغ قرب طرق إمداد مرتبطة بالـ RSF. من تشاد تُنقل الأسلحة براً إلى دارفور أو عبر أراضٍ تسيطر عليها شبكات مرتبطة بخليفة حفتر، كما تُشير تقارير إلى نشاطات للـ RSF من الصومال حيث يُطوّر المهبط في بوصاصو بمساعدة إماراتية — وهو ما تنفيه أبوظبي.

محاور لوجستية بعيدة
ليبيا الشرقية تشكّل ممرّاً آخر تستفيد فيه شبكات موالية لحفتر، ذات خبرة في التهريب وحماية القوافل. محاور أبعد مثل بوصاصو وأنتيبّـه بأوغندا تُستعمل كنقاط تجميع وتفكيك حيث تُعاد تدوين الشحنات وتحويلها إلى دفعات صغيرة، بما يحفظ قدر الإمكان من النفـي المعقول للمسؤولية.

طبيعة نقل الطائرات المسيرة وتمويل الشبكات
الطائرات المسيرة نادراً ما تسافر كوحدة مكتملة؛ النموذج الأكثر مرونة هو النقل المعياري: هياكل هوائية، محركات، روابط بيانات، أنظمة بصرية، بطاريات، مكونات تحكم أرضي وذخائر تُنقل منفصلة تحت غطاء تجاري. وعندما يُضاف طبقة السلع (خاصة الذهب) تصبح الشبكة ذاتية التمويل: نفس الممرّات التي تحرك أجزاء الطائرات المسيرة قادرة على إخراج سبائك وأموال ونفائس من السودان، مما يحافظ على استمرارية وتوسّع هذه الشبكات.

أضف تعليق