قوات أمنية مسلحة انتشرت في تجمع مؤيّد للحكومة بطهران يوم الاثنين، فيما أعلنت جماعات حقوقية ارتفاع حصيلة القتلى إلى أكثر من ألفي شخص خلال قمع العنف للمظاهرات.
أفادت وكالة أخبار نشطاء حقوق الإنسان المقيمة في الولايات المتحدة (HRANA) بأنها وثّقت حتى الآن مقتل 1,850 متظاهرًا، و135 شخصًا مرتبطين بالحكومة، وتسعة مدنيين غير مشاركين، إضافة إلى تسعة أطفال، خلال الأيام السبعة عشر الماضية على الرغم من قطع واسع للاتصالات. وأعلنت الوكالة لاحقًا أنها أكدت مقتل ما لا يقل عن 2,003 شخص وتراجع في التحقيق في تقارير عن 779 وفاة إضافية.
صرّح مسؤول ايراني لرويترز بأن الحصيلة تبلغ نحو ألفي قتيل، وألقى باللائمة على “إرهابيين”. من جهته، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن السلطات الإيرانية ستدفع “ثمنًا باهظًا” على هذه القتل، وحث المحتجين على “مواصلة الاحتجاج”.
ترامب يدرس، بحسب تقارير، خيارات عسكرية وأدوات أخرى رداً على القمع، وقد أعلن سابقًا عن فرض رسوم جمركية نسبتها 25% على أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران.
امتدت الاحتجاجات — التي تُقال إنها شملت نحو 180 مدينة وبلدة في كل محافظات البلاد الثلاثين والواحدة — نتيجة غضب شعبي من انهيار العملة الإيرانية وارتفاع تكاليف المعيشة. وسرعان ما اتسعت المطالب لتشمل تغييرًا سياسيًا، لتصبح إحدى أخطر التحديات للسلطة الدينية منذ ثورة 1979.
تفاقم الوضع بشكل لافت يوم الخميس الماضي، وقابلته السلطات بقوة مميتة، مصحوبة بانقطاع شبه تام في الانترنت وخدمات الاتصال، ما صعَّب تقدير نطاق العنف بدقة. كما أشار مراسلون إلى صعوبة الوصول للمعلومات لأن منظمات الأخبار الدولية، بما فيها هيئة الإذاعة البريطانية، غير قادرة على العمل داخل البلاد.
عُرضت على الإنترنت مقاطع فيديو أظهرت أشخاصًا يبحثون عن جثث ذويهم في مركز الطب الشرعي بكهريزك بطهران؛ وحسب تسجيلات نشرتها وسائل الإعلام، رُصدت ما لا يقل عن 180 جثة ملفوفة وأكياس جثث في لقطات مصورة. وفي شريط آخر من نفس المرفق ظهر نحو خمسين جثة إضافية.
قال ناشط لبي بي سي الفارسية إن صديقًا ذهب إلى كهريزك للبحث عن شقيقه “ونسي حزنه الشخصي”، وأضاف: “كدّسوا الجثث من كل حيّ—سعادتاباد، نازيآباد، سَتّرخان—فتمشي إلى عنوانك وتبحث هناك. لا تدرك جزءًا من مستوى العنف المستخدم”. كما أبلغت مستشفيات العاصمة أنها غارقة بالضحايا.
أوضح البروفيسور شهرام كردستي، أخصائي الأورام الإيراني المقيم بلندن، لبرنامج نيوزداي أن آخر رسالة تلقاها من زميل في طهران أفادت بأن “الأوضاع في معظم المستشفيات تشبه ساحات الحرب. نعاني نقصًا في المستلزمات ونقصًا في الدم”. وذكر أن أطباء في “مستشفين إلى ثلاثة” أفادوا بمعالجة المئات من الجرحى والقتلى.
وصف أحد سكان رشت، قرب ساحل بحر قزوين، المدينة بأنها غير قابلة للتمييز: “كل مكان محترق”، على حد قوله.
بعد إعلان HRANA لإحصاءاتها، نشر ترامب على منصة تروث سوشال رسالة دعا فيها “الوطنيين الإيرانيين” إلى مواصلة الاحتجاج والاستيلاء على مؤسساتهم، وحث على حفظ أسماء القتلة والمعتدين “فسيُدفع ثمن كبير”. وأضاف أنه ألغى كافة اللقاءات مع مسؤولين إيرانيين حتى يتوقف “القتل الأحمق للمحتجين” وأن “المساعدة في الطريق” مستخدمًا شعار المعارضة الإيراني المقيم بالولايات المتحدة “اجعل إيران عظيمة مرة أخرى” (MIGA).
توقعت إدارة الأمن القومي الأمريكية عقد اجتماع في البيت الأبيض لمناقشة خيارات للرد على أحداث إيران. وأفاد مسؤولون في البنتاغون لشبكة سي بي إس أن ترامب اطلع على مجموعة واسعة من الأدوات السرية والعسكرية، بما في ذلك ضربات صاروخية بعيدة المدى وعمليات إلكترونية وحملات نفسية.
وفي المقابل، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقطرية الجزيرة إن إيران مستعدة للدبلوماسية، لكنها ليست مستبعدة للخيارات الأخرى “إذا رغبت الولايات المتحدة في تجربة الخيار العسكري كما فعلت سابقًا”. أفادت وكالة رويترز أن الولايات المتحدة شنت في يونيو غارات جوية استهدفت منشآت نووية إيرانية رئيسية خلال صراع امتدّ 12 يوماً بين إيران وإسرائيل.
وقال عباس عراقجي إن الحكومة الإيرانية كانت منخرطةً في حوارات مع المحتجين، لكنها اضطرت إلى التحرك بعد تسلل «مجموعات إرهابية مدرّبة» انطلقت من الخارج إلى التظاهرات واستهدفت قوى الأمن.
وجاءت تصريحاته متوافقة مع كلام المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي الذي قال أمام أنصاره في تجمعات رسمية إن المخططات التي دبرها أعداء خارجيون والتي كان من المقرر أن ينفذها عملاء محليون قد تمّ «تحييدها».
وأظهرت صور لوكالة الأنباء الأوروبية EPA أن أنصار رضا بهلوي، ابن شاه إيران الراحل، تظاهروا أمام مجلسي البرلمان بلندن يوم الثلاثاء.
من جانبها استدعت وزيرة الخارجية البريطانية يفيت كوبر السفير الإيراني احتجاجاً على ما وصفته بـ«القتل الفظيع والهمجي للمتظاهرين الإيرانيين».
وطالب مفوّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، السلطات الإيرانية بوقف جميع أشكال العنف والقمع ضد المتظاهرين السلميين فوراً، مشدّداً على أن وصف المحتجين بأنهم «إرهابيون» لتبرير العنف أمر غير مقبول، وأن التصريحات الرسمية التي توحي بإمكانية اللجوء إلى عقوبة الإعدام عبر محاكمات مستعجلة تثير قلقاً بالغاً.
وقال رئيس السلطة القضائية غلامحسين محسني أجيئي إن من شاركوا في الاضطرابات «سيُتعامل معهم بجدّية وشدة». وأعلنت نيابات عن توجيه اتهامات لبعض المتهمين بما يُسمّى «العداء مع الله»، وهي تهمة أمنية قد تترتب عليها عقوبة الإعدام.
وذكرت منظمات حقوقية أن أكثر من 16,780 محتجاً أُوقفوا خلال موجة الاضطرابات، بحسب شبكة ناشطي حقوق الإنسان HRANA.
وأفادت عائلة شاب يبلغ من العمر 26 عاماً ومنظمة حقوقية كردية مقرّها النرويج تُدعى Hengaw بأن الرجل الذي اعتُقل يوم الخميس الماضي حُكم عليه بالإعدام بالفعل، وأن المحكمة أصدرت الحكم في فترة قصيرة، وأن العائلة أُبلغت بأن موعد تنفيذ الحكم قد يكون يوم الأربعاء القادم. وقالت أويار شيخي من هينغاو لبي بي سي: «لم نشهد من قبل قضيّة تُستكمل بهذا القدر من السرعة. الحكومة تستخدم كل الوسائل التي تعرفها لقمع الناس ونشر الخوف».
أظهرت تسجيلات فيديو حصلت عليها بي بي سي الفارسية احتجاجات في تبريز ومدن غربية أخرى داخل إيران. وطالب تورك أيضاً بإعادة الوصول الكامل إلى الإنترنت وخدمات الاتصال الأخرى، في حين أفاد رصد لشبكة NetBlocks بأن انقطاع الإنترنت تجاوز الآن 120 ساعة.
ونقلت تقارير عن شخص يقيم قرب طهران ويستخدم خدمة ستارلينك عبر الأقمار الصناعية أن هناك «نقاط تفتيش في كلّ حيّ»، حيث تقوم قوات الأمن بتفتيش السيارات وهواتف ركابها. كما ظهرت تسجيلات جديدة لاحتجاجات في أراك وتبريز وأورميا وخرمآباد، وقد تحقّق مكتب بي بي سي من صحة بعضها.
وفي لقطات من خرمآباد سُمع إطلاق نار خلال اشتباكات بين قوات الأمن والمحتجين، الذين رُصدوا وهم يرمون الحجارة، كما هتف المتظاهرون بشعارات منها «الموت للطاغية» في إشارة إلى خامنئي، و«رضا شاه ارحمه الله» في إشارة إلى الملك الراحل محمد رضا بهلوي الذي أطيح به في ثورة 1979 ويعيش ابنه رضا في المنفى.