قرار حكومي بإعادة تسجيل الأراضي في الضفة الغربية: ماذا يعني؟
أقرت الحكومة الإسرائيلية خطة لبدء إعادة تسجيل الأراضي في الضفة الغربية المحتلة، ما يتيح للدولة المصادرة الفعلية للأراضي التي لا يستطيع سكانها الفلسطينيون إثبات ملكيتها. هذه الخطوة تعيد عملياً تسجيل مساحات واسعة كـ”أملاك دولة” لأول مرة منذ الاحتلاء الإسرائيلي للضفة عام 1967، وتركز على المنطقة المسماة “ج” والتي تخضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة وتمثل نحو 60% من مساحة الضفة.
الدوافع والمواقف الرسمية
وزير المالية الإسرائيلي بيتسآل سموتريتش، الذي طرح المقترح بالتنسيق مع وزير العدل ياريف ليفين ووزير الدفاع إسرائيل كاتز، وصف القرار بأنه استمرار “ثورة الاستيطان للسيطرة على أراضينا”. من جهتها اعتبرت رئاسة السلطة الفلسطينية القرار بمثابة “ضم بحكم الواقع” وهو إضفاء طابع رسمي على عملية توسع المستوطنات التي تنتهك القانون الدولي على مدى عقود.
خلفية قانونية وتسجيل الأراضي التاريخي
خلال إدارة الأردن للضفة (1949–1967) ساد نظام التسجيل المتبع في فترة الانتداب البريطاني، لكن نحو ثلث الأراضي فقط سُجلت رسمياً. أعداد كبيرة من الفلسطينيين لم يكن لديهم وثائق تثبت الملكية—وسُجلت خسائر في وثائق كثيرة نتيجة حرب الأيام الستة عام 1967 التي أفضت إلى الاحتلال، وبعد ذلك أوقفت إسرائيل عمليّة التسجيل. قرار إعادة التشغيل الحالي قوبل بإدانة من منظمات حقوقية ومحللين سياسيين إسرائيليين وفلسطينيين.
أين سيطبق التسجيل؟
اتفاقيات أوسلو (1993 و1995) قسمت الضفة إلى مناطق أ و ب و ج؛ مُنحت السلطة الفلسطينية الإدارة الكاملة على نحو 18% من الأرض (المنطقة أ)، والإدارة المشتركة على نحو 22% (المنطقة ب)، وبقيت المنطقة ج تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. عملية التسجيل الجديدة ستطبق على المنطقة ج، التي يقطنها أكثر من 300 ألف فلسطيني، وتشير تقديرات مجموعة “السلام الآن” المناهضة للاستيطان إلى أن حوالي 58% من أراضي المنطقة ج ما تزال غير مسجلة.
آلية تطبيق التسجيل وآثاره المتوقعة
لم تكشف السلطات الإسرائيلية عن تفاصيل كاملة لآلية التنفيذ، لكن من المتوقع أن تشمل نقل الملكية القانونية للأرض إلى الدولة وإصدار أوامر إخلاء ضد تجمعات فلسطينية—على غرار ما شهدته القدس الشرقية في السنوات الأخيرة. تقول خبراء ومنظمات حقوقية مثل “بيمكوم” إن السلطات الإسرائيلية قد تتبع نموذج التسجيل الذي استُخدم في القدس الشرقية منذ 2018، حيث تُسجل نسب ضئيلة من الأراضي لصالح الفلسطينيين. الهدف الحكومي المعلن هو تسجيل نحو 15% من الأراضي غير المسجلة خلال أربع سنوات، ومن المرجح أن تكون الأراضي الأولى التي تُسجل تلك التي تسهُل إثبات ملكية الدولة عليها أو التي يتعذر فيها على الفلسطينيين تقديم دلائل تاريخية واضحة.
حتى لو فتحت الإجراءات الباب لتقديم دعاوى ملكية من الفلسطينيين، فإن الشروط القانونية والقيود الإجرائية، بالإضافة إلى تطبيق قانون “أملاك الغائبين” (الذي يعطي الدولة حق مصادرة ممتلكات من اعتُبروا غائبين منذ أحداث أواخر 1947 وما بعدها)، تجعل من نجاح الدعاوى أمراً بعيد الاحتمال. توضح الباحثة ميخال برايَر أن عملية التسجيل ستصبح أداة إضافية لاغتنام أراضٍ لم يكن بالإمكان الاستيلاء عليها سابقاً والامتداد الاستيطاني وطرد الفلسطينيين من المنطقة ج.
الموارد والهيكل الإداري
أفادت تقارير أن قراراً حكومياً ربط مشروع التسجيل بميزانية أولية تقدر بنحو 79 مليون دولار للفترة 2026–2030، مع إقامة هيكل وزاري وإداري مخصص لهذه العملية يضم عشرات المناصب والهيئات الحكومية.
آثار على المجتمع الفلسطيني
وصفت منظمات مثل “السلام الآن” القرار بأنه “عملية سلب هائلة لممتلكات الفلسطينيين”، محذرةً من أن التسجيل سيحوّل غالبية المنطقة ج إلى أملاك دولة ويجرد الفلسطينيين عملياً من إمكانية تفعيل حقوقهم الملكية. يرى محللون مثل زافيير أبو عيد أن ما يجري يعد سياسة تطهير عرقي مكتملة الأركان من حيث النتائج المتوقعة، ويُذكر أنها تترافق مع موجات عنف لاسيما من قبل مستوطنين، تُعالج غالباً بإفلات من العقاب من قبل مؤسسات الدولة.
تداعيات إنسانية وجغرافية
منذ عام 1967 تعرّض الفلسطينيون لمصادرة أراضٍ وتوسع استيطاني ممنهج؛ يقيم اليوم نحو 700 ألف إسرائيلي في مستوطنات ومبانٍ في الضفة والقدس الشرقية، ويصعد عدد المستوطنات ومواقعها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. كما شهدت الضفة حملات مداهمات وهجمات مستوطنين وعمليات هدم وممارسات أمنية ومستوطنية أدت إلى تهجير عشرات التجمعات. وتُظهر بيانات حقوقية وأممية تزايد الضحايا المدنيين الفلسطينيين في الضفة، بما في ذلك أكثر من ألف مدنياً قتلوا بين 7 أكتوبر 2023 وخمسة فبراير 2026 وفق إحصاءات أممية حديثة.
الشرعية الدولية
قررت محكمة العدل الدولية عام 2024 أن سياسات الاستيلاء والضم وتشريعات إدماج الأراضي المحتلة غير قانونية ولا تغير من وضع الأرض، وأن الاحتلال طويل الأمد للأراضي الفلسطينية يخالف القانون الدولي ويجب إنهاؤه بأسرع ما يمكن. من هذا المنطلق، ترى خبراء دوليون وحقوقيون أن إجراءات تسجيل الأراضي التي تتخذها جهات مدنية إسرائيلية تشكل ممارسات سيادية محرمة على القوة القائمة بالاحتلال، وتمثل مؤشراً على المساس بوضع الأرض وضمها بحكم الواقع.
علاقات إسرائيل مع الأردن وردود الفعل الإقليمية
اتفاق وادي عربة (1994) أنهى حالة الحرب وأرسى إطار علاقات دبلوماسية وتعاون إقليمي، لكنه قابل انتقادات شعبية أردنية ودعوات متكررة لمراجعة الاتفاق بسبب السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. دانت المملكة الأردنية قرار استئناف تسجيل الأراضي ووصفته وزارة الخارجية بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي. وتقول التحليلات إن أي موجة تهجير واسعة من الضفة قد تشكل مسألة حساسة للغاية بالنسبة للأردن وتدفعه إلى البحث عن تحرك جماعي إقليمي ودولي ردّاً على ذلك.
الخلاصة
إعادة تسجيل الأراضي في المنطقة ج تمثل خطوة إدارية تبدو بريئة الشكل لكنها تحمل آثاراً سياسية وقانونية وإنسانية عميقة: نقلاً فعلياً للملكية، وتسهيلاً للتوسع الاستيطاني، وتقليصاً لقدرة الفلسطينيين على الاحتفاظ بأراضيهم، مع احتمالات كبيرة لزيادة التوتر والعنف في الضفة. الموقف الدولي والقضاء الدولي يعتبران مثل هذه الإجراءات غير متوافقة مع القانون الدولي، بينما تتصاعد التحذيرات من أن التطبيق العملي لهذه الخطة سيعني عملاً فعلياً من عمليات الضم والتطهير المكاني للفلسطينيين. والاسرائيليه التي تدعم هذا المسار تضع المنطقة أمام واقع جيوسياسي متشظٍّ يصعّب إمكانية التوصل إلى حل قائم على دولتين.