مهندسون فلسطينيون يكافحون لإصلاح شبكة مياه غزة الملوّثة والمهدِّدة للصحة العامة
تحت شمس الشتاء في مدينة غزة، يقف المئات من السكان حاملين أوعية فارغة حول صهاريج توزيع المياه. في أحياء دُمّرت بفعل حرب إسرائيل المتواصلة التي تُوصف بالإبَادِيّة، أصبحت هذه الصهاريج المصدر الموثوق الوحيد للمياه الصالحة للشرب في مناطق واسعة.
منذ الهجوم العسكري الذي انطلق في أكتوبر 2023 تَعرَّضت أجزاء واسعة من بنية المياه التحتية في غزة للتدمير. استهدف القصف مرارًا خطوط الأنابيب ومرافق مدنية أساسية، ما أدى إلى توقّف محطات الضخ، وتحطُّم الآليات الثقيلة اللازمة لإجراء الإصلاحات الضرورية، وركام يقف مكان معدات الصيانة.
محطة ياسين للمياه في شمال القطاع، التي كانت منقذا لآلاف السكان، باتت تعمل بمستوى أدنى بكثير من سابق عهدها. يحذّر المسؤولون من أن الأضرار في هذا الموقع وحده حرمت الاف من الحصول على مياه نقية بشكل مستقر، بينما يتباطأ وتيرة الإصلاحات بسبب الحصار الإسرائيلي الشديد على دخول المعدات وقطع الغيار.
رغم ما سُمِّي بـ«وقف إطلاق النار» في أكتوبر 2025، استمرت الهجمات الإسرائيلية التي أودت بحياة أكثر من 700 فلسطيني، بينما وُاصلت قيود دخول المساعدات والسلع إلى قطاع يقطنه 2.3 مليون نسمة أغلبهم نازحون؛ ولا يزال الاحتلال يسيطر على أكثر من نصف مساحة غزة بعد أن كان من المتوقع انسحابه إثر الهدنة. تحظر إسرائيل أو تقيد بشدّة دخول مجموعة واسعة من السلع إلى القطاع، بينها الماكينات ومواد البناء وحتى بعض المعدات الطبية. في الشهر الماضي سُمح جزئيًا بإعادة فتح معبر رفح—الممر الوحيد تقريبا نحو الخارج—مما أتاح لعدد محدود من الفلسطينيين دخول القطاع والخروج منه.
البحث عن البقاء تحت الحصار
تقدّر الأمم المتحدة أن نحو سبعين بالمئة من بنية إمداد المياه في مدينة غزة لا تعمل حاليًا. يقول عمال البلدية إن الدمار جاء منهجيًا ومقصودًا. وأضاف حسني عفانة، المتحدث باسم البلدية، لقناة الجزيرة: «الاحتلال دمر أكثر من 72 بئرًا في مدينة غزة. لقد تم تدمير أكثر من 150000 متر من شبكات المياه، إلى جانب أربعة خزانات رئيسية. النظام المائي تعرض لدمار شديد.»
تُعيق سياسات عسكرية إسرائيلية جهود اعادة تأهيل الشبكة بوضوح:
– حاجز «الخط الأصفر»: توقّفت أعمال إصلاح خط الإمداد الحيوي المعروف باسم ميكوروت لأن أجزاءً من البنية تقع شرق ما يُسمى «الخط الأصفر» الذي يحدّد مناطق تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
– حظر ما يُسمى «الاستخدام المزدوج»: تصنّف إسرائيل كثيرًا من المكونات الأساسية لأنظمة المياه والصرف كمواد ذات استخدام مزدوج، ما يتيح للسلطات حجب دخولها بحجج أمنيّة غامضة.
مَنْعَ دخول المواد الجديدة أجبر فرق الصيانة البلدية على العمل بما يمكن انتشاله من الأنقاض. يقول طارق شحيبار، مهندس صيانة: «هذه الأنابيب والوصلات والتركيبات أساسية لأعمال الصيانة. نبحث في أطراف المدينة عن ما تبقّى من مواد ونُعيد تدويرها للاستخدام في الإصلاحات.»
كارثة صحية وبيئية متفاقمة
يُسرّع نقص المياه النظيفة من اندلاع أزمة صحية عامة حادة في القطاع؛ إذ يبلّغ الأطباء عن ارتفاع حاد في حالات الجفاف الشديد ومضاعفات كلوية وانتشار أمراض منقولة بالماء. يقول الدكتور غازي اليزجي، في مستشفى الشفاء لقناة الجزيرة: «تلوّث المياه يؤثر بشدّة في صحة المرضى. تحتوي على مستويات مرتفعة من الأملاح والنترات والفوسفور والكبريت.»
هذه الطوارئ الطبية الفورية متجذرة في كارثة بيئية طويلة الأمد. حذّر تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة سابقًا من أن انهيار مرافق معالجة مياه الصرف وشبكات الأنابيب قد تسبّب على الأرجح في تلوّث حاد للمخزون الجوفي الذي يُغذي شريحة واسعة من القطاع. وأكد مسؤولون فلسطينيون أن تدمير شبكات المياه والصرف عمدًا سمّم المياه الجوفية والسواحل، فباتت العائلات مضطرة لاستهلاك مياه ملوَّثة وخطيرة لعدم وجود بديل.
تتفاقم الأزمة بفعل الصراع الإقليمي الأوسع؛ إذ فُتِح جزئيًا معبران هما كرم أبو سالم (المعروف في إسرائيل باسم «كرم شالوم») ورفح، على أن يكون رفح مخصّصًا للحالات الإنسانية فقط. أغلق معبر رفح بعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران لكنه أعيد فتحه لاحقًا.