إضعاف إيران سينقلب ضدّ الولايات المتحدة — تداعيات صراع إسرائيل وإيران

يجادل مؤيدو الحملة العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران بأن إضعاف طهران عبر تقويض قدراتها الصاروخية، وإلحاق ضرر ببحريتها، والحدّ من قدرتها على إسقاط النفوذ عبر حلفائها الإقليميين سيجعل الشرق الأوسط أكثر أمناً. لكن هذه الاستراتيجية تقوم على افتراض مفاده أن إيران الأضعف ستؤدي إلى إقليم أكثر استقراراً. في الواقع، إن زعزعة أحد أكبر الدول وأكثرها أهمية استراتيجياً قد تطلق قوى أخطر بكثير من الوضع الراهن.

تفيد إحاطات قُدِّمت لموظفي الكونغرس في واشنطن بأنه لم تكن هناك معلومات استخبارية تُشير إلى أن إيران كانت تُخطط لمهاجمة الولايات المتحدة. ومع ذلك، يستمر التصعيد العسكري على أساس الاعتقاد بأن إضعاف إيران سيخدم في نهاية المطاف المصالح الأمريكية. وإذا تبين خطأ هذا الافتراض، فستكون العواقب وخيمة ليس فقط على المنطقة بل وعلى المصالح الاستراتيجية الأمريكية أيضاً.

الخطر الأول يكمن في التفكك الداخلي. إيران بلد متعدد القوميات: الفرس يشكلون الأغلبية، لكنها تضم أيضاً مجتمعات كبيرة من الأذريين والأكراد والعرب والبلوش وغيرهم. بعض هذه المكوّنات لديها سجلات من الاحتقان السياسي أو التمرد المسلح، بما في ذلك نشاطات مسلّحة كردية في الشمال الغربي وتمرد بلوشي طويل في الجنوب الشرقي.

لقد حافظت الدولة المركزية القوية إلى حد بعيد على احتواء هذه الشقوق. لكن إذا تدهورت هياكل الحكم بشكل كبير، فقد تتصاعد تلك التوترات. وقد يُفضي ذلك إلى سيناريو شبيه بالتفكك الذي شهدته دول أخرى في الشرق الأوسط بعد ضغوط عسكرية خارجية أو انهيار أنظمة الحكم.

التاريخ الحديث يقدم أمثلة مقلقة. في العراق، أوجد تفكيك المؤسسات بعد اجتياح 2003 ظروفاً لعقود من العنف الطائفي وفتحت الباب أمام صعود تنظيم الدولة الإسلامية. أدى انهيار الدولة في ليبيا عام 2011 إلى تقسّم البلاد بين حكومات متنافسة وميليشيات مسلحة، وهو أزمة لا تزال قائمة بعد أكثر من عقد. أما الحرب الأهلية في سوريا فقد خلّفت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في هذا القرن وحولت مساحات شاسعة إلى ساحات قتال لميليشيات وجماعات متطرفة؛ حتى إن تنظيم داعش استولى في ذروته على أراضٍ واسعة في شرق سوريا وأعلن ما أسماه الخلافة، مسيّراً حياة ملايين الناس.

يقرأ  لماذا تكثّف روسيا هجماتها على أوديسا؟أخبار الحرب الروسية‑الأوكرانية

انهيار إيران قد يفضي إلى سيناريو أخطر: تعدادها السكاني أكبر بكثير من العراق أو ليبيا أو سوريا، وموقعها الجغرافي يجاور مناطق معرضة للصراع. نشوء فصائل مسلحة وميليشيات عرقية أو مجموعات متمردة داخل إيران يمكن أن يحوّل البلاد سريعاً إلى ساحة انعدام استقرار طويل الأمد.

لن يبقى مثل هذا الاضطراب محلياً فحسب. تقع إيران في قلب الخليج، أحد أهم ممرات الطاقة عالمياً؛ يمر نحو خُمس إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز على طول ساحلها الجنوبي. الفصائل المسلحة أو الميليشيات المتنافسة أو القوات البحرية الخارجة عن السيطرة العاملة على طول السواحل قد تعطل خطوط الملاحة، وتهاجم الناقلات، أو تحاول إغلاق المضيق، مما يحوّل أزمة إقليمية إلى صدمة طاقة عالمية. وستتجاوز تداعيات ذلك حدود الشرق الأوسط؛ فالارتفاع في أسعار الطاقة سينتشر عبر الاقتصادات العالمية ويؤثر على تكاليف النقل ومعدلات التضخم. ينظر صانعو القرار الأمريكيون في كثير من الأحيان إلى اضطراب الطاقة كقضية إقليمية، لكنه في الواقع يتحول بسرعة إلى مشكلة عالمية.

وسيمتد الأثر الاستراتجي أيضاً إلى ما هو أبعد. إيران تعمل كحلقة مركزية في شبكة تحالفات وجماعات بالوكالة تشمل حزب الله في لبنان، وميليشيات متنوعة في العراق، والحوثيين في اليمن. هذه الفاعلات تعمل ضمن إطار مُتأثّر بطهران بدرجات متفاوتة. إذا ضعفت الدولة الإيرانية بشكل حاد، فقد يتفكك هذا البناء: قد تعمل بعض الجماعات بصورة مستقلة، وقد تتنافس أخرى على النفوذ، وبعضها قد يتطرّف أكثر في غياب تنسيق مركزي. ستكون النتيجة بيئة أمنية أكثر غموضاً، ما يصعّب الانخراط الدبلوماسي ويجعل احتواء الصراعات العسكرية أكثر صعوبة.

ثمة خطر آخر متعلق بعدم اليقين في القيادة. يفترض بعض صانعي السياسات أن إضعاف القيادة الإيرانية الحالية سيُفضي إلى ترتيب سياسي أكثر اعتدالاً، لكن تغيير النظام نادراً ما يتبع نصاً متوقعاً.

يقرأ  وفاة أسطورة الملاكمة ريكي هاتون عن عمر يناهز 46 عاماً في منزله بمدينة مانشستر

النظام السياسي الإيراني يحوي فصائل متنافسة عدة، منها شبكات محافظة من رجال الدين، وسياسيون إصلاحيون، وعناصر قوية ضمن جهاز الأمن مثل الحرس الثوري الإسلامي. مرحلة الانتقال القيادي لا تتعلق بخليفة واحد بقدر ما تتعلق بتوازن القوة بين المؤسسات الدينية والمناصب المنتخبة والجهاز الأمني. إذا تضعفت أو أُزيلت القيادة القائمة في ظروف حربية، فقد ينهار ذلك التوازن بسرعة. قد يحاول الحرس الثوري، الذي يسيطر بالفعل على موارد عسكرية واقتصادية هائلة، حشد السلطة وتكريس نظام سياسي أكثر عسكرتراً. وفي مثل هذا المناخ، قد تزداد نفوذ الفاعلين الأكثر تطرفاً، خصوصاً الذين يرون أي تسوية مع الولايات المتحدة أمراً مستحيلاً.

لا توجد أيضاً دلائل قوية على أن الضربات العسكرية المستمرة ستولّد ميلاً مؤيداً لأمريكا لدى السكان الإيرانيين. التاريخ يشير إلى أن الضغط الخارجي غالباً ما يقوّي الشعور القومي بدلاً من تفتيته. غزو العراق عام 2003، مثلاً، لم يُنتج مواقف موالية للولايات المتحدة، بل غذّى الاستياء والتمرد. وبالمثل، غالباً ما عزّزت الحملات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في لبنان دعم الجمهور لحزب الله بدل إضعافه.

خارج إطار الشرق الأوسط، قد تؤدي حالة عدم الاستقرار في إيران إلى تدفق هجرة كبير. تستضيف إيران بالفعل ملايين اللاجئين من دول الجوار، خصوصاً الأفغان. ولو اندلعت صراعات داخلية، فقد يؤدي حتى نزوحٍ نسبي من بين أكثر من تسعين مليوناً إلى موجات هجرة تفوق بكثير ما شهدته الأزمات الإقليمية الأخيرة.

سيتجه كثير من هؤلاء إلى تركيا ثم إلى أوروبا، مما يضع ضغوطاً إضافية على حكومات تكافح أصلاً أزمات الهجرة. ورغم بُعد ذلك عن السواحل الأمريكية، فإن العواقب السياسية لحلفاء الولايات المتحدة في أوروبا ستنعكس بالضرورة على العلاقات عبر الأطلسي وتماسك العالم الغربي.

يقرأ  ٢٨ نشاطًا إبداعيًا لتعليم المساحة والمحيط في الفصل الدراسي

تُجْمِع هذه المخاطر على مشكلة استراتيجية أوسع: قد يبدو إضعاف إيران جذاباً من منظور عسكري ضيق، لكن زعزعة استقرار قوة إقليمية كبيرة نادراً ما تُفضي إلى نتائج مُنظمة أو محسوبة.

لقد واجهت الولايات المتحدة ديناميكيات مشابهة من قبل. إن انهيار سلطة الدولة في العراق بعد 2003 لم يقضِ على التهديدات الإقليمية؛ بل أنتج تهديدات جديدة. خلق تفكك ليبيا بعد 2011 فراغاً أمنياً دائماً. وتحولت الحرب الأهلية في سوريا إلى صراع متعدد الأطراف أعاد تشكيل سياسات المنطقة بأسرها.

على واشنطن أن تسأل ما إذا كانت العواقب طويلة الأمد لزعزعة إيران ستجعل في النهاية المنطقة والعالم أكثر خطراً. وإذا كان التاريخ الحديث دليلاً، فقد يُنقلب زعزعة إيران على الأهداف التي تأمل واشنطن في إلغائها.

وجهات النظر المعبر عنها هنا تعود إلى كاتب المقال ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

أضف تعليق