في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الشهر الماضي، عرض جاريد كوشنر — وريث عقاري ومقرب من الرئيس الأمريكي السابق — رؤيته لـ«غزة الجديدة»: ناطحات سحاب لامعة، سياحة ساحلية وممر لوجستي يربط جيباً منزوع السلاح بالعالم الخارجي. لكن على بعد نحو ثلاثة آلاف كيلومتر، في أرض غزة المهدمة والمغطاة بالغبار، لم تُوضَع حتى طوبة واحدة؛ حيث تُقاس الحقيقة المؤلمة الآن بأطنان الأنقاض — نحو 61 مليون طن، وفق تقديرات الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية.
بعد «وقف نار» هش تم التوصل إليه في أكتوبر، خفّت الغارات الجوية الإسرائيلية ظاهرياً لكن القتل لم يتوقف، ما يوحي بحرب جديدة أكثر هدوءاً وامتداداً بيروقراطياً. وبالتوازي تظل مسألة دخول الأسمنت والحديد — مواد بناء لا غنى عنها — معلّقة، إذ تواصل إسرائيل فرض قيود صارمة عليها.
وفق الأمم المتحدة، دُمِّرت نحو 92% من قطاع غزة خلال الحرب التي استمرت أكثر من عامين، وتُقدَّر كلفة اعادة الاعمار بنحو 70 مليار دولار. غير أن مخططات إعادة الإعمار التي تروّج لها جهات دولية وسياسية لا تُعتبر لدى محللين ومخططين عمرانيين استجابةً لاستعادة الحياة الفلسطينية، بل محاولة لإعادة هندستها — تحويل الحق الأساسي في المسكن إلى أداة ابتزاز سياسي وتغيير ديموغرافي مزعوم.
«إعادة الإعمار ليست اليوم التالي للحرب؛ بل هي استمرار للحرب بوسائل إدارية واقتصادية»، يقول الباحث إيهاب جبّارين. ويشير إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى في إعادة الإعمار رَهانها الأكبر للتحول من احتلال عسكري مباشر إلى ما يسميه البعض «السيادة عبر التدفق»: من يملِك مفاتيح دخول المواد — حنفية الأسمنت — يفرض شكل الحياة السياسية والأمنية في القطاع. هدف إسرائيل، بحسبه، هو نسج نظام «سيطرة من دون مسؤولية» يمنحها سلطة فعلية على إدارة الحياة اليومية من دون الالتزامات القانونية التقليدية للاحتلال.
يعتمد هذا النظام على تحويل إدخال المساعدات ومواد البناء إلى قرار سياسي عبر ثلاث طبقات من الابتزاز:
– ابتزاز أمني: ربط تدفق المواد بمراقبة طويلة الأمد، وخلق اعتماد دائم تُعاد بموجبه إعادة البناء إلى حجم وُضِع ليُطفأ بسهولة عند الحاجة.
– ابتزاز سياسي: تقييد من يحق له أن يحكم؛ «من يوزّع الأسمنت يوزّع الشرعية»، كما يقول جبّارين، بمعنى أن إعادة الإعمار ستُمنح فقط عبر إدارة وكيلة «تقنية» تتوافق مع مقاييس الأمن الإسرائيلية.
– ابتزاز تهدئة: تحويل أمل الحصول على مأوى إلى مكافأة على الصمت، بدلاً من اعتباره حقاً إنسانياً.
قبل خوض هذه المعارك السياسية، يبقى قطاع غزة دفيناً حرفياً تحت ركام عامين من القصف. تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في نوفمبر رسم صورة قاتمة: أكوام الأنقاض تمثل عقبة غير مسبوقة قد تستغرق سبع سنوات لإزالتها — وذلك فقط في ظل «ظروف مثالية». «غزة واحدة من أكثر الأماكن دماراً على وجه الأرض»، كما وصف التقرير.
وفي مواجهة هذا الواقع، رفض خبراء فلسطينيون نماذج إعادة الإعمار المفروضة من أعلى إلى أسفل التي سُوّقت في دافوس، واقترحوا بدائل محلية تمثل نهجاً مختلفاً. فقد أشار عبد الرحمن كتّانة، أستاذ العمارة في جامعة بيرزيت، إلى «خطة العنقاء» التي طورتها اتحادات بلديات قطاع غزة كإطار محلي قابل للتطبيق. بحسب كتّانة، لا ينبغي أن تُعتبر الأنقاض نفاية فقط، بل مورداً يمكن إعادة تدويره لاستصلاح الأراضي وإعادة بناء النسيج العمراني على أساسٍ مدمج ومجتمعي.
شدد على أن أي مشروع ناجح لإعمار غزة يجب أن ينبع من القاعدة: «لن ننجح دون الناس أنفسهم… هم يعرفون احتياجاتهم وطموحاتهم»، محذراً من أن تجاهل الفاعلين المحليين سيؤدي إلى بيئة هشة ومنفِرة.
عقبة مركزية أخرى تواجه أي خطة هي قائمة «الاستخدام المزدوج» الإسرائيلية. تاريخياً حُظرت بضائع مثل الأسمدة وأنابيب الصلب بذريعة استخدامها لأغراض عسكرية؛ لكن القائمة توسعت لتشمل اليوم مواد أساسية مثل أسطوانات الأكسجين وأدوية السرطان ومرشحات المياه. يقول جبّارين إن الحصار لم يعد ذريعة أمنية فحسب بل «فلسفة حكم»: تحويل عذر الأمان إلى آلية للتأخير اللامحدود. عبر اشتراط موافقات مشروع بمشروع لكل كيس إسمنت، تُبقي إسرائيل إعادة الإعمار في حالة دائمة من المشاريع التي تستنزف الدول المانحة والوكالات، وتبقي الإدارة الفلسطينية في حالة «التسوّل المستمر».
بينما تُحجِم إسرائيل عن تمرير مواد رئيسية، تبني إدارة ترامب — كما يصف بعض الخبراء — «خيالاً سياسياً» بالخارج: وعود بزيادة الناتج المحلي لغزة بعشرة مليارات دولار ومشروعات ضخمة كـ«رفح الجديدة» التي تتضمن مئة ألف وحدة سكنية ومناطق سياحية وصناعية. ينظر جبّارين إلى هذه التصورات على أنها شكل من أشكال «الهندسة الديموغرافية الصامتة»: تحويل القضية الفلسطينية من حق قومي إلى قضية عقارية، وإخراج البعد الوطني من المشروع المستقبلِي لغزة وجعلها مفيدة اقتصادياً لكن مجوفة وطنياً.
إضافة إلى ذلك، قد تؤدي آليات التنفيذ إلى «خصخصة الاحتلال»، حتى إن لم تدخل شركات إسرائيلية إلى القطاع مباشرةً. فعقود إعادة الإعمار وعمليات التفتيش والشركات الأمنية التي تدير المعابر وشركات التأمين على المخاطر ستحوّل عملية الإعمار إلى سلسلة من الأرباح غير المباشرة لشركات إسرائيلية وحليفة. بهذا تتحول عقود الإعمار إلى مرشح سياسي: «سوق طاعة» دولية تُقصي المانح المعترض وتستبدل المقاول الذي يطرح أسئلة حول السيادة بآخر مطيع.
أخطر ما في هذه السياسات، بحسب جبّارين، هو «تسليح الزمن» نفسه. فمع تقدير أممي يستغرق إزالة الركام وحدها حتى عام 2032 وامداد كامل لاعادة الاعمار حتى 2040، يتحول الانتظار إلى سياسة تهجير. الزمن يفكك المجتمعات، ويُفضي إلى هجرة «عقلانية»: لا يرحل الناس دفعة واحدة بدفع الدبابات، بل ينسحبون تدريجياً لأن الخوف من المستقبل والعيش سنوات في خيام يرهقانهم.
«المجتمع الدولي لا يدين الانتظار كما يُدين القصف»، يقول جبّارين؛ فالقصف يجلب الإدانة، بينما التأجيل البيروقراطي يورث الصمت — وإذا فشلت الطائرات الحربية في تهجيرهم، قد ينجح طول الانتظار.