إلى متى تستطيع إسرائيل الصمود في صراع عسكري مع إيران؟ أخبار الصراع الإسرائيلي–الإيراني

أشار قادة إسرائيل والولايات المتحدة إلى أن المواجهة مع إيران قد تمتد لأسابيع. من جانبها، أكدت واشنطن بقيادة الرئيس دونالد ترامب أن ذلك ليس بمشكلة، وأن قواتها العسكرية قادرة على تحمل خوض قتال ممتد. أما إسرائيل، التي تبدو منهكة بعد تكاليف ما ارتكبته من إبادة في غزة، وأثر الحروب والاعتداءات في لبنان وسوريا، وحتى جولة سابقة مع إيران، فقد تُصبح مواجهة طويلة الأمد أكثر تكلفة بكثير.

منذ الضربة التي شنتها إسرائيل على إيران السبت، تعرضت البلاد لقصف متكرر بالصواريخ والطائرات المسيرة، ما أدى إلى تنبيهات غارة جوية على نطاق واسع، وإغلاق المدارس، وتعبئة عشرات الآلاف من الاحتياطرين. مدن مثل حيفا وتل أبيب تصدّت لهجمات متواصلة؛ خدمات الطوارئ مُجهدة، والسكان — الذين لم يعتاد معظمهم على حرب بمثل هذا النطاق بعد أن فرضتها دولتهم على الآخرين — قضوا الأيام الماضية داخل الملاجئ وخارجها.

في هذه المرحلة، تعلو حماسة كبيرة للحرب. مقابلات مع إسرائيليين في معظم المدن الكبرى تكشف عن رغبة قوية في مواجهة عدو بيّن لهم لسنوات طويلة أنه مصمم على إبادتهم. باستثناء اليسار المتطرف، تحالفت الطبقة السياسية تقريباً خلف شارة الحكومة. كما قال الباحث الاقتصادي السياسي شير هيفر: «ما إن اندلعت الحرب حتى اجتاحت إسرائيل موجة من العسكرة؛ لم تكن كما خلال حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025، حين ساد الهلع والخوف الوجودي من قدرة إيران على تدمير إسرائيل. اليوم ثمة حماس عسكري وثقة مفرطة. حتى منتقدي الحرب — وإن كانوا قلة — يوصون نتنياهو بأن يبقيها “قصيرة”، كما لو أن بإمكان إسرائيل وحدها أن تحدد متى تنتهي».

يُعدّ تأييد الحرب جزءاً من ما يراه كثيرون تصعيدا مجتمعيًا في إسرائيل. سياسيون متطرفون سابقاً صعدوا إلى مركز الحكم، والاستقطاب السياسي والضغوط الاقتصادية يعجلان بسيل الشباب الموهوب نحو الهجرة. أولئك الذين بقوا مُشكَّلون على أن إيران هي العدو الأساسي للدولة، وأسابيع أخرى من الحرب قد تُعمّق عسكرة المجتمع.

يقرأ  عائلة أميركية تقاضي تسلا بتهمة التسبب في وفاة بالخطأ بسبب أبواب معيبة

يُشبّه دانيال بار‑طال، أستاذ في جامعة تل أبيب، الوضع بما حدث في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية: «حينها تقبّل البريطانيون القصف لأنهم رأوا أنفسهم يقاتلون شراً مطلقاً. لدى الإسرائيليين نفس الشعور؛ نُغرس فينا منذ الطفولة أن إيران شرّ، وتُكرَّس هذه الفكرة في رياض الأطفال والمدارس والجيش». ويضيف أنه من المستحيل التكهن بالشكل الذي سيأخذه المجتمع الإسرائيلي بعد أسابيع من الحرب المتجددة، لكن ثقة النخبة الأخلاقية السابقة في صوابية المؤسسة لم تتصدّع لا بفعل مجازر نكبة 1948 ولا بإزاء إبادة غزة الأخيرة. «الآن لدينا جيل أكثر عسكرة وتيّاراً يمينياً، ونتنياهو يقول إنه علينا أن نعيش بالسيف؛ هذا دليل إضافي على أن إسرائيل تحتاج إلى أعداء لتستمر».

القنابل والأسلحة

بعيداً عن التأثيرات الاجتماعية، ثمة اعتبارات عسكرية لِما إذا ما استمر القتال. السؤال الأكثر إلحاحاً هو كم من الوقت يمكن لإسرائيل أن تحافظ على مستويات القتال الحالية أمام خصم بحجم إيران وقوته العسكرية. يتوقف ذلك على الدعم الذي تتلقاه من حلفائها في الولايات المتحدة وأوروبا، وما إذا كانت دفاعاتها ستنهك قبل أن تضعف دفاعات إيران، بحسب المحلل العسكري حمزة عطار.

يُشير عطار إلى أن إيران أطلقت أكثر من 200 صاروخ باليستي على إسرائيل في الأيام الثلاثة الأولى من القتال. في سياق المقارنة، خلال حرب الاثني عشر يوماً أُطلقت نحو 500 صاروخ، وكل واحد تستدعي مواجهته إطلاق صاروخ اعتراضي من جانب إسرائيل — رقمٌ قد يفوق قدرة إسرائيل على المواجهة بمفردها، ودون الدعم الأميركي ربما كانت خسرت السيطرة على أجوائها بحلول الآن. لدى إسرائيل ثلاث منظومات دفاع جوي مختلفة: القبة الحديدية للصواريخ القصيرة والمدفعية، ومقلاع داوود لمواجهة الصواريخ متوسطة المدى والصواريخ الجوالة، ونظامي سهم 2 و3 لاعتراض الصواريخ الباليستية.

يقرأ  «لحظة الوصول إلى اليابسة»المصوِّرة: آفا مارغريت

لا تفصح إسرائيل عن مخزون الصواريخ الاعتراضية لديها، لكن نفاد المخزون في أثناء حرب الاثني عشر يوماً يدل على أن استدامة مستوى اعتراضي عالٍ سيكون أكثر صعوبة إذا امتدت الحرب طويلاً؛ ما سيؤدي حتماً إلى ترشيد الاعتراضات وتركيز الحماية على أهداف عسكرية وسياسية، مع ما يرافق ذلك من مخاطر ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين.

وفق مصادر إسرائيلية وأميركية، عملت إيران بعد صراع يونيو على إنتاج صواريخ باليستية بمعدل يقارب مئة صاروخ شهرياً، مما يعني أنها قد جمعت مخزوناً كبيراً. غير أن عطار يؤكد أن الخطر الإيراني لا يقاس بالعدد فحسب، بل بطبيعة الصواريخ؛ فهناك صواريخ بعيدة المدى قد تبلغ اليونان والبحر المتوسط، وصواريخ متوسطة المدى تصل إلى إسرائيل، وصواريخ قصيرة المدى تستهدف دول الخليج. كذلك لا نعلم بالضبط كم كان لديها قبل حرب الاثني عشر يوماً، كم دُمر منها، أو كم منصّة إطلاق بقيت لديها؛ فبدون منصات الإطلاق، التي تستهدفها الولايات المتحدة وإسرائيل، يصبح وجود آلاف الصواريخ أشبه بالرصاص بلا بندقية.

الاعتبارات الاقتصادية

أخذت أكثر من سنتين من الحروب شبه المستمرة بالفعل أثراً ملموساً على اقتصاد إسرائيل، حسب تحليلات الخبراء. كلفة الذخائر تُثقل الكاهل، واستمرار تعبئة قوات الاحتياط بمئات الآلاف لأمد أطول مما خطط له الساسة قد يُفاقم الضغوط المالية. أُبلغ أن إنفاق إسرائيل في 2024 على الحروب في لبنان وغزة بلغ نحو 31 مليار دولار، ما ساهم في تسجيل أعلى عجز في الموازنة منذ سنوات. تشير الأرقام الأولية لعام 2025 إلى أن الإنفاق على الحرب بلغ 55 مليار دولار.

وأدى الضغط على الاقصاد إلى خفض التصنيف الائتماني السيادي لإسرائيل في 2024 من قِبل وكالات التصنيف الثلاث الكبرى.

قال هيفر: «تعاني اسرائيل أزمة ديون، وأزمة طاقة، وأزمة مواصلات، وأزمة في الخدمات الصحية».

يقرأ  لم يُستثنَ حتى الأموات: تدنيس إسرائيل لمقابر غزة يفاقم الحزن | الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

غير أن الاقتصادي السياسي حذّر من أن أياً من هذه الأزمات لوحدها لن يكون كافياً لثني الحملات العسكرية الإسرائيلية. «هذه ليست مسألة اقتصاد، بل مسألة تكنولوجيا».

وأضاف: «إذا واصلت الولايات المتحدة تزويد إسرائيل بأسلحة متقدمة إلى درجة أنها تُحمَّل ذاتياً، وتُصوب ذاتياً، وتقتل من مسافات بعيدة لا يضطر فيها الجنود إلى تعريض حياتهم للخطر، فلا أرى كيف يمكن للأزمة الاقتصادية داخل إسرائيل أن تكفي لإيقاف عدوانها».

أضف تعليق