إيران بعد عهد آية الله علي خامنئي — الصراع الإيراني–الإسرائيلي ومستقبل المنطقة

لِسنواتٍ جادل دعاة التدخّل في الغرب بأنّ تكلفة الوضع السياسي الطّويلة الأمد في إيران — من قمع وتدهور اقتصادي وركود اجتماعي — تفوق مخاطر تغييرٍ قسري خارجي. لكن الحاجز الأخلاقي أمام التدخّل انخفض بشكل كبير بعد القمع الدموي للاحتجاجات في يناير والتغطية الإيجابية الواسعة للمعارضة الإيرانية في وسائل الإعلام الغربية.

تلا ذلك تدخلٌ أمريكي-إسرائيلي واضح، مع دعوات من رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء إسرائيل للإيرانيين “بالثورة”. الاحتفالات باغتيال مرجعٍ مركزي مثل آية الله علي خامنئي وبتصفية مسؤولين رفيعي المستوى اعتُبرت لدى البعض إنجازاً كبيراً.

مع ذلك، الافتراض بأنّ إزالة رأس النظام ستؤدّي سريعاً إلى “انقطاع قصير وحاسم” يليه انتقال سلس هو أمرٌ بعيد عن اليقين. في الواقع قد لا تكون إيران ما يتوقّعه مؤيّدو التدخّل بعد رحيل خامنئي.

أمثلة من المنطقة
الشرق الأوسط الأوسع يعطي ثلاثة أمثلة حديثة توضحُ لماذا التدخّل الخارجي نادراً ما يقود إلى استقرار سلس: أفغانستان، العراق، وليبيا. تُظهر هذه الحالات أنّ العمليات العسكرية الخارجية تُترتّب عليها فوضى طويلة الأمد أكثر من استقرارٍ سريع، وهو ما تنعكسه مؤشرات الحوكمة العالمية للبنك الدولي حول أداء هذه الدول.

أفغانستان شهدت تغيير نظام بعد غزو 2001 أعقبه عقدان من القتال وهجمات على المدنيين، ثم عودة نظامٍ سابق في 2021 لكن دون استتباب للأمن. العراق عرف انتفاضات وحروب أهلية بعد تدخل 2003، رغم محاولات الديمقراطية تباينت مؤشرات الاستقرار. ليبيا انهارت بعد تدخل بقيادة الناتو في 2011، فانخفضت درجاتها في مؤشرات الحوكمة إلى مستوياتٍ من بين الأدنى عالمياً مع انقسام فعلي للسلطة بين مراكز متنافسة في طرابلس وشرق البلاد. لا دولةٍ من هذه عادت إلى مستويات الاستقرار السابقة؛ المسارات كانت طويلةً وهشّة بدل “تكيف قصير” كما وعد بعض مناصرّي التدخّل.

يقرأ  ترامب يهدد بتفعيل «قانون التمرد» لوضع حد للاحتجاجات في مينيابوليس

لماذا قد لا يؤدي اغتيال خامنئي إلى الانهيار
النظام الإيراني يختلف في خصائصه عن أنظمة أفغانستان والعراق وليبيا. موت خامنئي قد يحمل تأثيراً أيديولوجياً ورمزيّاً لا يفضي بالضرورة إلى انهيار الدولة. في الجامعة الرمزية للتشيّع التي ينتمي إليها غالبية الإيرانيين، يمكن قراءة وفاة خامنئي بمنظور استشهادي؛ الموت على يد أعداء مُدرَكون للإسلام يُصوّر على أنّه ممرّ الفداء لا هزيمة مريرة، وتحوّل القائد إلى شهيد قد يُقدّس الحياة السياسية عبر التضحية.

هذا الإطار المِذْهَبي قد يجمع شريحة كبيرة من السكان، بمن فيهم المنتقدون سابقاً للقيادة، حول سرديّة الدفاع الوطني. بتحويل قائد ساقط إلى “شهيد عدوان خارجي”، قد تُستنهض مشاعر الوحدة الوطنية واستنكار التدخّل الخارجي، وقد تتّحد الأجهزة الأمنية والقطاعات التقليدية للمجتمع بطرقٍ لم تكن متوقعة من قبل داعمي تغيير النظام.

وسط هذا، لا يخلو الأمر من تعقيدات: نتائج الاحتجاجات الأخيرة أصعب من المواجهة السابقة مع إسرائيل في 2025، لكن احتمال توحّد ردّ الفعل الشعبي-الوطني يظل قائماً.

أهمية استمرارية المؤسسات
تجارب العراق وليبيا وأفغانستان تُظهر أنّ غياب مؤسسات بيروقراطية وأمنية ومالية فاعلة أثناء التدخّل الخارجي يؤدي إلى عدم استقرار ممتد. السؤال الأساسي لإيران اليوم: هل يمكن الحفاظ على تماسك إداري وسلامة إقليمية؟ الجواب يعتمد بالأساس على نجاة “الدولة العميقة” — البيروقراطية المدنية المرنة والطبقة التقنوقراطية التي تُدير المالية والخدمات الأساسية.

إذا استمرت المصرف المركزي والوزارات وحُكم الولايات الإقليمية في العمل رغم فراغ القيادة، فقد تُجنّب الدولة التفتت الذي شهدته ليبيا. كما أنّ السلامة الإقليمية تعتمد على استمرار الوحدة بين الجيش النظامي (الـ“أرتش”) والحرس الثوري (الحرس الثوري الإسلامي).

إيجاد موحّدٍ وطني في المناخ الحالي سيكون تحدّياً كبيراً. القمع الدموي لاحتجاجات يناير كبّر الشقّ بين الشارع والنخبة السياسية، ما يجعل من الصعب لأي شخصية مؤسسية أن تدّعي شرعية شاملة. مجلس تقنوقراطي-عسكري بقيادة شخصيات إدارية أو عسكرية قد يسعى لتأمين الاستقرار “من منظور أمني” — أمثال محمد باقري قاليباف أو حسان روحاني أو علي لاريجاني — لكنهم يفتقرون إلى السلطة الروحية التي منحها لهم الزعيم الراحل.

يقرأ  إسرائيل تلوّح بالانسحاب التدريجي من لبنان في حال نزع حزب الله سلاحه

غياب شخصية قادرة على تجسير الهوّة بين الشارع المقهور وجهاز الأمن المدافع عن بقائه سيجعل أي قيادة جديدة تكافح لإثبات نفوذها.

مخاطر التفكك ودوامة عدم الاستقرار
إذا فشلت الاستمرارية المؤسسية أو بدأ تنافس مفتوح بين الجيش والحرس الثوري، سيرتفع احتمال التفكك والنزاع الدائم. في هذا السيناريو، قد يصبح العنف الذي يطالب به البعض اليوم بداية دورة هيكلية من انعدام الأمن تكون كلفتها على المجتمع الإيراني بأكمله.

عاملان سيشدان هذه النتيجة المحتملة
أولاً: استنزاف الطبقة الوسطى. عقود من العقوبات الغربية قادَت إلى تآكل الطبقة الاجتماعية التي عادةً ما تلعب دور المِبرز الاستقراري أثناء الانتقالات السياسية. من دون طبقة وسطى فاعلة، يصبح الفراغ الناتج عن الحرب على إيران أرضاً خصبة للفصائل المسلحة أو لبقايا أمنية متشدّدة تتطرّف. عناصر من “النظام القديم”، خصوصاً كوادٍ متشدّدون داخل الحرس والبيسج الذين ينظرون إلى أي نظام جديد كتهديد وجودي لأرواحهم وممتلكاتهم، من غير المرجّح أن تختفي أو “تندمج سلمياً” كما يأمل بعض صانعِي السياسات؛ هم أقرب لأن يتحولوا إلى جماعات عصيّة لا مركزية تستخدم معرفتهم التفصيلية ببنى الدولة لتخريب أي محاولات انتقالية مستقرة.

ثانياً: التفتت الاجتماعي. تتمعّز إيران بتنوّع إثني ولغوي تفوق المتوسط الإقليمي. في غياب سلطة مركزية ومع استهداف القيادة الأمنية حالياً، لا ينبغي التقليل من خطر تفكك الدولة وظهور ميليشيات محلية. في أسوأ السيناريوهات، قد تتبع الاضطرابات الداخلية خطوط التصدع التاريخية: في المناطق الحدودية يمكن أن تتصاعد حركات انفصالية لدى البلوش والأكراد والعرب إلى صراعات فصلية مفتوحة مع تراجع السيطرة المركزية. وفي المدن الكبرى، انهيار سلسلة أمنية موحّدة قد يسهِم في اندلاع اضطرابات محلية حيث تتنافس مليشيات منحرفة على موارد أحياءٍ بعينها، ومع ذلك ستنشب حروبٌ نخبويّة عنيفة بين أوزان العسكريين والسياسيين لمحاولة شغل فراغ القيادة، وقد تتحوّل مؤسسات الدولة نفسها إلى ساحاتٍ لصراعات الخلافة.

يقرأ  متحف كولومبيا للفنون يفتتح قاعات عرض مجموعته بعد إعادة تنظيمها

الحجة العسكرية ومآلاتها
في الأسابيع الأخيرة استُخدمت عبارة “نهاية مُرة خيرٌ من مرارةٍ لا تنتهي” لتبرير تدخّل عسكري أجنبي في إيران، على افتراض إمكانية حلٍّ سريع بالقوة. لكن دلائل العراق وليبيا وأفغانستان تبيّن أنّ نتائج الحرب ليست خطية؛ بل محرّكات للتدهور المستمر وغير المتوقع. ورغم أن موت خامنئي يمثل نهاية رمزية لحقبة، التاريخ يلمّح إلى أن القيمة المتوقعة لمثل هذا انقطاعٍ عنيف آخذة في منحى عدم الاستقرار المزمن وتآكل المؤسسات، لا في تجديدها.

بالنسبة للشعب الإيراني، قد لا تكون “النهاية المُرّة” الفصل الأخير من معاناته، بل قد تكون فصلاً افتتاحياً لعصرٍ مُتجذر من “المرارة التي لا تنتهي” يمكن أن تطول أمده عقوداً في المنطقة.

ملاحظة: الآراء المعبر عنها هنا تمثّل رأي الكاتب ولا تعبّر بالضرورة عن الموقف التحريري لِـالجزيرة.

أضف تعليق