إيران تنزف لكنها تنتصر في مواجهة محور الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران

اليوم، لنعير العبارة، نحن جميعًا ايرانيون.

نحن إيرانيون نشهد فشل منطق همجي تمارسه الولايات المتحدة وإسرائيل، منطق يرتكز على فرضية وحيدة وضيقة: أنّ الألم الكافي سيكسر أي أمة ويجعلها تذعن لمخططات إمبريالية.

لقد اعتقد المحور الأميركي-الإسرائيلي طويلاً أن القوة والإكراه سيجبران الإيرانيين في نهاية المطاف على التخلّي عن سيادتهم وارتداء الطوق. وقد أخفق في ذلك. فبإصرارهم على عدم الخضوع، حوّل الإيرانيون كفاحًا وحيدًا من أجل البقاء إلى رمز عالمِيّ للمقاومة — شهادة على صمود الروح البشرية.

لأسابيع رصدنا آليات متوقعة لإمبراطورية تحاول استنزاف إرادة شعب. رأينا السيناريو المألوف للتشويه يتبعه جهاز للقتل الصناعي. ثم شهدنا قائدًا في امريكـا — بلغة تجاوزت حدود اللياقة وأهانت فنّ الدولة — يصدر تهديدًا مرعبًا.

لم يهدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب حكومةً أو جيشًا فحسب؛ بل هدّد بالقضاء على «الحضارة» في إيران.

كان هذا قرارًا شنيعًا، لكنه كان أيضًا مكشوفًا في يأسه. كان فعل رجل يائس؛ نواح زعيم عرف أنه خسر الحرب.

فالتجأ ترامب إلى ما يُعرف بـ«نظرية الرجل المجنون» في الدبلوماسية، آملاً أن صوت الجنون والقدرة على دمارٍ غير محدود قد يخيف دولةً فخورة لتلجأ للاستسلام.

فشل في ذلك. كان المقصود من تهديد الإبادة أن يثير انهيارًا، وأن يدفع القيادة الباقية في طهران إلى الفرار ويجعل الإيرانيين المرتعبين يستسلمون.

ارتكب المحور الأميركي-الإسرائيلي حسابًا فادحًا. لا يزال متشبثًا بالوهم المدان القائل إنّ العزيمة سلعة يمكن شراؤها أو كسرها.

بدلًا من ذلك، ثبّتت إيران والإيرانيون مواقفهم. اضطر «الرجل المجنون» في البيت الأبيض إلى التفاوض مع خصم كان يدّعي أنه هُزم بالفعل.

مقياس نجاح إيران يكمن في ذلك التحدّي. كان بالإمكان أن تذبل الأمة تحت وطأة رعب عسكري واقتصادي ونفسي مبني على القمع.

يقرأ  اليونان تقرّ قانوناً للعمل يسمح بأيام عمل تصل إلى 13 ساعة في حالات محددة

لكن الإيرانيين قاوموا. أثبتوا أنه لا يمكنك قصف حضارة حتى تمحى، ولا يمكن لمشاركة سمّية على مواقع التواصل أن تمحي تاريخًا يمتد خمسةَ آلاف عام.

إيران تنتصر. تكسب حرب استنزاف على الصعد العسكرية والاستراتيجية والسياسية والدبلوماسية. تنتصر لأنها فهمت حدود أعدائها أفضل مما فهموا هم أنفسهم.

تنتصر استراتيجيًا لأنها ترفض خوض الحرب التي أعدّها لها خصومها؛ لا تحاول مضاهاة السفينة بسفينة أو الطائرة بطائرة. بل توسّع ساحة المعركة عبر الحدود والحلفاء والزمن.

تستقبل الضربات وتواصل السير. عقيدتها بسيطة: البقاء، الرد، والإطالة. وبذلك ترفع ثمن كل ضربة تُوجّه إليها. المحور الآن محاصر في وضعية ردّ فعل — غارٍ، ينزف مالًا ومصداقية، فيما تحرك إيران قطعها بدقة.

ينبّه المحللون الآن إلى أن الحرب التي قيل إنها ستُضعف طهران قد تتركها أقوى. إيران تفوز لأنّها تتكيّف: تستخدم الطائرات المسيّرة والوكالة والصبر. لا تحتاج إلى تفوّق جوي لفرض ضغط؛ تحتاج إلى قدرة على التحمل. استراتيجيتها «الموزاييك» — طبقات قيادة ولا مركزية في السلطة — تعني أنّه يمكن قتل القادة لكن يبقى النظام. تحول الضعف إلى صمود، والوقت إلى سلاح.

وطبعًا، سيطرة إيران على مضيق هرمز مثالٌ في «الورقة غير المتماثلة»؛ فبوضعها فوق نقطة اختناق تمرّ عبرها نحو خُمس النفط السائل في العالم، تكاد تمسك بمفتاح قاتل للاقتصاد العالمي.

هذه الحقيقة الجغرافية تحوّل ممرًّا مائيًا ضيّقًا إلى درع دبلوماسي قوي. بالنسبة لإيران، «النصر» ليس بالضرورة بإغلاق المضيق نهائيًا — وهو أمر سيضرّ باقتصادها الهشّ — بل بالاحتفاظ بقدرة جدّية على ذلك.

وهذا يخلق حالة دائمة من الحذر الاستراتيجي لدى القوى الغربية والاقتصادات الآسيوية المعتمدة على الطاقة، مما يجعل طهران لاعبًا لا غنى عنه في هندسة الأمن الإقليمي.

يقرأ  لاعب كريكيت مراهق يفارق الحياة في ملبورن بعد تعرضه لضربة بالكرة

سياسيًا، النصر أبلغ. المحور لم يحقق هدفه الأعلى: «تغيير النظام». فقد أطلقت الحرب لتفكيك الدولة الإيرانية، لكنها فعلت العكس. بدا أنها دمجت الشعب والدولة معًا في مواجهة تهديد وجودي خارجي. لا يُنظر إلى المحور الأميركي-الإسرائيلي كقوة محررة، بل كمجموعة من المحتملين الغزاة. هذا التصوّر أهم من أي صاروخ.

بينما واشنطن مشلولة بالفوضى والقبلية وإسرائيل غارقة في نزوع واضح نحو السلطوية المدمِّرة، تبدو إيران — رغم الأذى — متماسكة وسليمة.

دبلوماسيًا، لم تكن الولايات المتحدة أكثر عزلة من الآن. جهل ترامب وتناقضه وتبجُّحه وسلوكه المتقلب أبعدوا أقرب حلفائها. أوروبا، التي كانت شريكًا موثوقًا في ما سمّي «الاحتواء»، تراقب هذا الصخب الغريب في واشنطن يومًا بعد يوم وتبتعد.

في المقابل، عمّقت إيران علاقاتها مع الشرق. أمّنت جناحها تجاه الصين وروسيا. لعبت اللعبة الطويلة فيما كان ترامب يلعب دورة الأخبار التالية.

العالم يتجه نحو بكين وبروكسل، فيما تصرخ واشنطن في فراغ أثر تراجع أهميتها. حوّلت إيران حملة «الضغط الأقصى» إلى واقع «أقصى كلفة» على الغرب.

لم يعد بإمكان المحور التحرك في الشرق الأوسط دون احتساب النفوذ الإيراني. أصبح الصيّاد مطرودًا.

ومع ذلك، يجب أن نكون واضحين: نجاح إيران ليس «فوزًا» جافًا على لوحة جيوسياسية. ليس انتصارًا للأعلام والمسيرات. ولادة بقائها كانت من النار والدم. هي مطوقة بالسواد وغارقة في الحزن.

التكاليف البشرية والصدمة الناتجة عن هذه الحرب الاختيارية ستدوم لأجيال. يجب أن نتذكّر الآلاف الذين قُتلوا وتشوّهوا. نتذكّر التلاميذ الذين انتهت حياتهم بسبب ذخائر «الدقة». لم ينجح المحور في كسر ظهر إيران، لكنّه كسر قلوبها. هذه هي طبيعة الحرب: الفائزون هم من يرثون الخراب.

الآراء المعبر عنها هنا للكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

يقرأ  شركة صينية تستحوذ على شركة تأمين تخدم عملاء وكالة الاستخبارات المركزية

أضف تعليق