إيران لا تحتاج لإغلاق مضيق هرمز لإحداث اضطراب — حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران

لا يزال العالم يتحدث عن مضيق هرمز كما لو أن السؤال المركزي هو ما إذا كانت إيران ستسعى إلى إغلاقه. هذا السؤال بات الآن بمثابة استفسار خاطئ.

الخيار العسكري الأكثر فاعلية لدى إيران ليس زرع ألغام داخل المضيق نفسه، ولا داخل ممر الملاحة الضيق الذي يخضع لرقابة دولية دقيقة، بل تموضع الألغام في مداخل المضيق، وبخاصة في مناطق الدخول حيث تتلاقى السفن التجارية قبل أن تنزلق إلى نظام عبور محصور. هناك يمكن توليد اضطراب بكفاءة أعلى وعلى رقعة بحرية أوسع، مع بقائه تحت مراقبة وإدارة إيرانية مباشرة.

وهذا التمييز مهم: الفرق بين حصار فظ وُجِهَ من منظور بدائي، وبين استراتيجية عرقلة متقنة تقنياً.

عملياً، مضيق هرمز ليس مجرد بساط مائي واسع. السفن التجارية تتحرك عبر نظام فصل حركة، هيكل ترانزيت من مسارين منظمين يفصل بين القنوات الداخلة والخارجة بمنطقة عازلة. ناقلات النفط الكبيرة والضخمة تُقَنّن فعلياً بسبب الغاطس، قواعد الملاحة ومتطلبات السلامة إلى نمط عبور يمكن التنبؤ به بدرجة عالية. مساراتها، سرعاتها وتوقيتها معروفة سلفاً. من منظور عسكري، هذا قمع بحري مُفْرَض.

لكن ساحة المعركة الحاسمة ليست القمع نفسه فحسب؛ بل الهندسة الأوسع للمداخل المؤدية إليه.

قبل أن تدخل الناقلات داخل المضيق الصحيح، يختزل المرور عبر مداخل خليج عمان باتجاه ممر الدخول. هنا تكمن أفضلية إيران. إذا وزعت الألغام في مناطق المدخل بدل وضعها داخل الممرات المعلّمة، يمتد التأثير عبر فضاء مناورة أعرض مع تفادي البصمة السياسية والعملياتية لعملٍ صريح داخل المضيق. طهران ليست بحاجة لوضع لغم تحت مساءلة قاع كل ناقلة؛ يكفي إحداث حالة من الريبة في مساحة الاقتراب بحيث يفترض البحارة، وشركات التأمين، والحراسات البحرية وجود تلوث.

وتعزز الهيدروغرافيا هذا المنطق. التيارات السطحية تتدفق من خليج عمان إلى الخليج، بينما يتحرك الماء الأكثر ملوحة وكثافة في الأعماق في الاتجاه المعاكس. أجهزة طافية أو شبه مرسوّة أو قرب السطح المزروعة في مناطق المدخل يمكنها أن تنجرف طبيعياً نحو أنماط حركة السفن دون أن تُوضَع مباشرة في الممرات الرسمية. عدد محدود من الألغام الموضوعة في الموضع الصحيح يمكن أن يحدث آثاراً غير متناسبة على رقعة بحرية أوسع. هذا بالضبط سبب كون المدخل هو منطقة العرقلة المثلى: يوسّع مساحة الخطر، يعقّد عمليات التطهير ويضخم حالة عدم اليقين والتاثير.

يقرأ  آرسنال ضد أستون فيلا — نظرة قبلية على الدوري الإنجليزي: أخبار الفريقين، موعد انطلاق المباراة والتشكيلات | أخبار كرة القدم

المفهوم الإيراني المرتبط ليس الإغلاق بقدر ما هو إحداث اضطراب انتقائي ومتحكم فيه.

وهذا المفهوم يرتكز على الاستطلاع، وهنا تحتفظ إيران بميزة معتبرة. من بندر عباس إلى قشم ولارك وأبو موسى وسيري وقطاع جاسك–كوه مبارك، يمنح الساحل الشمالي الإيراني زوايا رصد متداخلة على مسارات الناقلات ومداخلها. رادارات ساحلية، استطلاع بالمسيّرات، تقارير دوريات سريعة، تتبّع الانبعاثات الإلكترونية ومراقبة مدنية بحرية كلها تساهم في صورة بحرية متعددة الطبقات. حتى عندما تُعتَرَض أجزاء من هذا الشبك، فإن البنية لا تنهار بسهولة لأنها زائدة عن الحاجة ومصممة للتكرار.

وتُعمّق هذه الصورة البحرية اليوم قدرات الاستطلاع الفضائي. القمر الصناعي الإيراني “خيّام” البصري، الذي طوِّر بدعم روسي، يوفر صوراً عالية الدقة يمكن توجيهها فوق الخليج ومداخل هرمز. ليست مجموعة أقمار متعددة، لكنه لا يحتاج لذلك ليكون ذا أثر. عند دمجه مع قدرات روسية بصرية وإلكترونية وبحرية وإدماجه ضمن شبكات القيادة الساحلية الإيرانية، يعزّز ذلك قدرة طهران على تحديد تجمعات السفن، رصد المرافِقين، متابعة نشاطات الموانئ واختيار أنسب توقيت وموقع للعمل غير المتماثل.

هذا ما يجعل زراعة الألغام في مناطق المدخل قابله للتطبيق. إيران قادرة على ملاحظة ساحة المعركة باستمرار بما يكفي لتجنّب الاستخدام العشوائي للقوة وبدلاً من ذلك فرض ضغط دقيق المدى.

كما يعزز خيارها تطوّر حرب الألغام الحديثة. الألغام البحرية لم تعد مقتصرة على أجهزة عائمة تُفجّر بالمصادمة. يُعتقد أن مخزون إيران يشمل ألغام تأثيرية تعمل بالمغناطيسية أو الصوت أو الضغط، ألغام قاعية توضع على القاع، ألغام مرسوة تُثَبّت على أعماق مختارة وألغام مُتحكم فيها أو تُفجر بأمر عن بعد يمكن أن تظل خاملة حتى تُفعَّل عن بُعد أو وفق معايير محددة مسبقاً. بعض الأنظمة يمكن تأجيلها، بعضها قادر على التعطيل الذاتي، وبعضها المنشور قرب السواحل الصديقة يمكن استرداده أو إعادة تموضعه.

يقرأ  الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع وطلقات مطاطية بينما يحتشد المحتجون في مدغشقر

وهنا نقطة الحسم: حقل ألغام متحكم به في المداخل ليس بحاجة لأن يكون نشطاً باستمرار ليكون فعّالاً استراتيجياً.

يمكن زرع الألغام مبكراً، تُترك غير مفعّلة، تُعاد موضعتها عند الحاجة وتُفعّل فقط في اللحظة المختارة. إذا وُضعت قرب السواحل الخاضعة للسيطرة الإيرانية وضمن مظلة المراقبة لقوى الساحل الإيرانية، يمكن إدارتها كأداة إكراه قابلة للعكس. هذا يمنح طهران قدرة على التحكم في التصعيد. ويمنحها أيضاً إنكاراً مُتاحاً. غياب الانفجار ليس دليلاً على غياب الألغام. ألغام تأثير خاملة أو أجهزة متحكم فيها يمكن أن توجد في فضاء مداخل المضيق دون أثر حركي فوري بينما تجبر الفاعلين التجاريين على التصرف كما لو أن المنطقة ملوثة.

هكذا يعمل التعطيل البحري اليوم: ليس عبر إغلاق درامي، بل عبر إحداث حالة من انعدام الأمان الملاحية المدروسة.

بمجرد أن تُصدِق شركات الشحن أن المداخل قد تحتوي تهديدات لُغمية منتقاة، يبدأ التأثير الاقتصادي فوراً. تزداد علاوات مخاطر الحرب، يبطؤ العبور، تصبح عمليات التطهير ضرورية، تتعثّر المرافقات البحرية، ويتحوّل إدارة الحركة إلى وضعية دفاعية. قد يظل ممر الشحن مفتوحاً من الناحية الفنية، لكنه عملياً يتحلل. في أسواق الطاقة، هذا يكفي.

ولهذا السبب فإن النقاش حول ما إذا كان المضيق نفسه قد نُصِبَت فيه ألغام يفتقد المغزى. السيناريو الأكثر معقولية هو أن نشرات محدودة ومتحكم فيها في المداخل قد خلقت بالفعل الشروط التي تسعى إليها إيران. مع هندسة ممرات العبور، وهيدروغرافيا المدخل، واستمرار المراقبة الإيرانية وتوافر ألغام حديثة متحكم فيها، أصبح عتبة التعطيل الآن منخفضة جداً.

المضيق لا يحتاج أن يبدو مُلغَماً ليعمل كما لو أنه كذلك.

استراتيجياً، هو كذلك بالفعل.

الآراء المعبر عنها في هذا المقال هي آراء المؤلفين فقط ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.

يقرأ  حان الوقت للعالم الإسلامي:الانتقال من القول إلى الفعل في الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني

أضف تعليق