طهران — تواصل السلطات الإيرانية تهديدها بعقوبات صارمة بحق «المشاغبين» الذين اعتُقلوا خلال الاحتجاجات الوطنية الأخيرة، فيما تتبادَل الاتهامات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خلفية انقطاع رقمي مستمر والحجب شبه الكامل للأنترنت.
«عملنا الرئيسي في السلطة القضائية بشأن التطورات الأخيرة قد بدأ للتو»، كتب رئيس القضاء غلام‑حسين محسني أجي في منشور على منصّة التواصل يوم الاثنين. وأضاف: «إذا سمحنا بالتساهل مع من لا يستحقّونه من دون مبرر، فنكون قد خالفنا العدالة».
تصاعدت التصريحات بينما لا تزال شبكة الإنترنت مقطوعة لمعظم السكان على الرغم من إعادة اتصال جزئية ومؤقتة شهدها يوم الأحد. كما اجتمع أجي مع الرئيس مسعود بيزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر غاليباف، وأكد الثلاثة وعدهم بفرض عقوبات رادعة.
في بيان مشترك نقلته وسائل الإعلام الرسمية، شددوا على أن «القتلة ومثيري الفتنة الإرهابية» سيواجهون إجراءات حاسمة، في حين قد تُظهر السلطات «الرحمة الإسلامية» لأولئك الذين «خُدعوا» من قوى أجنبية وشاركوا في التظاهرات.
في الأسبوع الماضي قال ترامب للصحفيين إن إيران «ألغت إعدام أكثر من 800 شخص»، مضيفًا: «أحترم بشدة أنهم ألغوا ذلك» من داخل البيت الأبيض. قبلها بأيام حذّر ترامب من أن الولايات المتحدة قد تضرب إيران إذا ما أقدمت حكومتها على إعدامات جماعية أثناء موجة الاحتجاجات الواسعة.
واتهمت السلطات الإيرانية مرارًا الولايات المتحدة وإسرائيل بتمويل وتسليح ما سمّتها الاحتجاجات. وفي خطوة نادرة، أقرّ المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي يوم السبت بأن «آلافًا» قُتلوا خلال الاحتجاجات، لكنّ المؤسسة الدينية تصرّ أن عناصر مرتبطة بقوى خارجية — لا قوى الدولة الرسمية — هم من ارتكبوا أعمال العنف المباشرة.
يُعتقد أن عشرات الآلاف قد أُلقِي القبض عليهم منذ اندلاع الاحتجاجات التي بدأت، بحسب الروايات الرسمية، نتيجة احتجاجات تجار في وسط طهران في 28 ديسمبر، وتستمر الأجهزة في الإعلان عن اعتقالات يومية تقريبًا. وأفادت وزارة الاستخبارات يوم الاثنين بأنها اعتقلت عددًا من أعضاء «فريق إرهابي» قالت إنه دخل البلاد عبر الحدود الغربية.
وأعلنت وسائل الإعلام الرسمية مزيدًا من الاعتقالات في كرمان وأصفهان ومازندران وشيراز وبندر أنزلي، ووصفت المستهدفين بأنهم «قادة أعمال الشغب» المتهمون بارتكاب تجاوزات عنيفة ضد مبان حكومية ومساجد وغيرها. وقال قائد الشرطة المتشدّد أحمدرضا رادان للتلفزيون الرسمي إن المحتجين الذين «خُدعوا» لديهم ثلاثة أيام لتسليم أنفسهم للاستفادة من تخفيف العقوبات المحتملة. وأضاف: «وعدنا الشعب بمطاردة المشاغبين والإرهابيين حتى آخر شخص»، مبرزًا أن كثيرين من المعتقلين أدلوا «اعترافات بارتكاب أعمال عنف وقتل ونهب».
بثّت التلفزيونات الرسمية اعترافات عشرات الأشخاص مع طمس وجوههم خلال الأيام الماضية، امتدادًا لممارسة متكررة واجهت انتقادات دولية متواصلة. وأكدت السلطات أيضًا نيتها التعويض عن بعض الخسائر المالية الناجمة عن الاحتجاجات عبر مصادرة ممتلكات من ظهروا تأييدًا علنيًا للحركات الاحتجاجية أو شاركوا فيها.
وقال محمد مواهدي آزاد، رجل الدين المحافظ ورئيس النيابة العامة، إن «قوانينًا تُمكّن من مطالبة من مولّوا فتنة الملكية وإثارة الفتنة بتعويض أضرار الشغب الأخيرة ومساءلتهم». ونقلت وكالة فارس، المقربة من الحرس الثوري، أن جميع أصول رجل أعمال كبير صادرت، بما في ذلك سلسلة مقاهٍ معروفة وعدد من العلامات الغذائية الكبرى، وتُقدَّر قيمة الأصول بقيمة تقارب تكلفة الأضرار التي لحقت بطهران. كما صُودِر مقهى اللاعب الشهير السابق وريا غفوري، الذي اعتُقل سابقًا عام 2022 لدعمه احتجاجات وطنية.
تهديدات ترامب التي تطاول «الخط الأحمر»
في ذروة الاحتجاجات دعا ترامب الإيرانيين إلى «السيطرة» على مؤسسات الدولة مدعيًا أن «المساعدة في الطريق»، قبل أن يثني لاحقًا عن «إلغاء الإعدامات المخططة لأكثر من 800 سجين سياسي». لكن يوم السبت أعلن ترامب أنه حان الوقت لإنهاء حكم خامنئي الذي يمتد 37 عامًا، ما أثار ردود فعل غاضبة من أعلى مؤسسات الجمهورية الإسلامية.
وردّ مجلس صيانة الدستور في بيان نُقل عبر وسائل الإعلام الرسمية، مستنكرًا «الإهانة واللغة الفارغة التي تصدر عن الرئيس الأميركي المجرم والأحمق». وشدّد المجلس على أن أي تجاوز في حق المرشد الأعلى «يُعدّ عبورًا للخط الأحمر لدى أتباع الجمهورية الإسلامية وسيتبعه تكلفة باهظة وعواقب وخيمة».
كما قال رئيس البرلمان إن ترامب «استغلّ مصداقية وهمية ليزيد من الفوضى وانعدام الأمن والقتل في إيران».
استمرار حجب الأنترنت والإجراءات التنظيمية
من جهة أخرى، قال حسين أفشين، نائب الرئيس لشؤون العلوم، للصحفيين إن قيود الإنترنت ستُخفّ تدريجيًا اعتبارًا من نهاية الأسبوع، من دون مزيد من التفاصيل. ورصدت منظمات دولية مثل NetBlocks عودات متقطعة للخدمة، ما قد يدلّ على أن المؤسسة تختبر طرقًا أكثر صرامة لفرض الحجب الرقمي الموجه ضد السكان.
أعلنت وسائل الإعلام الرسمية أيضًا استبدال المدير التنفيذي لشركة «إيرانسل» لإدارة الاتصالات، بعد تقارير تفيد بأن بعض مشغلي الشركة امتنعوا عن تنفيذ أوامر تقييد الاتصالات فترات على 8 يناير، الليلة التي شهدت قطوعًا واسعة النطاق ومفاجِئة لشبكات الهاتف والإنترنت، بحسب وكالة تسنيم المقربة من الحرس الثوري.
وأفادت التقارير أيضًا بأن صحيفة هم‑ميهان الإصلاحية صادرت يوم الاثنين على خلفية تقريرين بشأن الاحتجاجات، كما أكد التلفزيون الرسمي أن بثّه الفضائي تعرّض «لتشويش من مصدر مجهول للحظات» ليلة الأحد، حيث بدا أن الإشارة عرضت لقطات من الاحتجاجات أثناء الاختلال في البث.