احتجاجات تُزلزل إيران في أضعف حالاتها منذ سنوات

أمير عزيّمي — بي بي سي فارسي

توسعت احتجاجات الشوارع من طهران إلى مدن أخرى في إيرن، وما يميّز هذه الاحتجاجات الحالية هو تكدّس عوامل عدة تجعلها أكثر خطورة من المرات السابقة. مرّ اليوم التاسع منذ اندلاع المظاهرات؛ ومع ذلك لم تمضِ سوى أيام قليلة حتى صدر تحذير مباشر من الرئيس الأميركي، الذي قال إن الولايات المتحدة «مستعدة ومشحونة»، عقب ذلك نفذت قوات خاصة عملية ضد نيكولاس مادورو في فنزويلا وجاء تحذير ثانٍ يوم الأحد. مثل هذه التهديدات المباشرة من رئيس أميركي أثناء استمرار الاحتجاجات نادرة، وقد تشجع المتظاهرين وتدفع الاحتجاجات إلى المزيد من الانتشار.

قوات الأمن والشرطة الإيرانية ردّت بعنف تقريبًا منذ اللحظات الأولى، وتقول منظمات حقوق الإنسان إن أكثر من عشرين شخصًا قُتلوا حتى الآن. الأعين تتجه الآن إلى الخطوة التالية لواشنطن. بدأت الاحتجاجات سلمية في 28 ديسمبر بدوافع اقتصادية؛ الغضب العام نتج عن تضخّم مذهل وهبوط حاد لقيمة العملة المحلية أمام الدولار، إذ ارتفعت أسعار الصرف نحو 80% مقارنة بالعام السابق.

الاقتصاد في حالة حرجة مع آفاق نمو ضئيلة هذا العام وربما العام المقبل. معدل التضخّم الرسمي يقارب 42%، وتضخّم السلع الغذائية يتخطى 70%، وارتفعت أسعار بعض السلع الأساسية أكثر من 110%. لعبت العقوبات الدولية بقيادة الولايات المتحدة دورًا رئيسًا في تفاقم الظروف، لكنها ليست السبب الوحيد. قضايا فساد رفيعة المستوى في المحاكم، تورّط فيها مسؤولون كبار وعائلاتهم، غذّت غضب الشارع وعمّقت الاعتقاد بأن جزءًا من النخبة الحاكمة يستغل الأزمة لمصلحته.

يعتقد كثير من الإيرانيين العاديين أن مسؤولين معينين وأقاربهم يستفيدون مباشرة من العقوبات عبر ترتيبات خاصة تتيح لهم التحكم بالواردات والصادرات وتحويل عائدات النفط إلى الخارج والاستفادة من شبكات غسيل أموال. حتى بعض المسؤولين يعزون اللوم في جزء منه إلى ما يُسمّى محليًا «مستفيدي العقوبات».

يقرأ  جي سي إل إنرجي توقع اتفاقية لمشروعَيْن شمسيَيْن بقدرة 100 ميغاواط لكلٍّ منهما في إندونيسيا

المتاجر في السوق الكبير بطهران كانت من أوائل من خرجوا احتجاجًا، أغلقت دكاكينها احتجاجًا على تقلبات العملة اليومية ونزل أصحابها إلى الشوارع مطالبين بتدخل الحكوممة لتهدئة الأسواق. توسّعت المظاهرات بسرعة لتشمل فئات أوسع من المجتمع، وتحولت شعارات اقتصادية سريعًا إلى مطالب سياسية، بل وارتفع نداء إزالة النظام بأكمله في بعض الساحات. انضم الطلاب ثم أصحاب المشاريع الصغيرة وسكان مدن وبلدات أخرى، وفي غضون أيام عادت هتافات ضد المرشد الأعلى لتحتل مكانًا مركزيًا في الاحتجاجات.

آخر موجة احتجاجات وطنية مماثلة كانت قبل نحو أربع سنوات بعد وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الآداب، ما أشعل أوسع احتجاجات مناهضة للحكومة منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وتحت شعار «زن، ژيان، ئازادی» أو «امرأة، حياة، حرية». تلك الاحتجاجات هزّت أساسات الدولة لكنها قُمعت بالقوة وعمليات اعتقال واسعة. رغم السرعة التي انتشرت بها الاحتجاجات الحالية واستمرارها لأيام، فإنّ حجمها وشدّتها لا يوازيان بعد احتجاجات 2022.

الصحفيون في وضع شديد الصعوبة، والمؤسسات الإخبارية الدولية المستقلة إمّا ممنوعة من العمل داخل البلاد أو تُفرض عليها قيود صارمة على تحرّكاتها إن سمِح لها بالدخول. لذلك يعتمد كثير مما يُنشر على منصات التواصل وشهادات الناس في الشارع، ما يجعل التحقق صعبًا ولاسيما مع بيئة خصبة للاختلاق والادعاءات غير المثبتة وتحوّل الواقع بفعل انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي.

في ظلّ هذا المشهد يعتقد مراقبون أن الأمور قد تحمل تبعات أخطر ممّا شهدناه في 2022. تُرى حكومة طهران على أنها في أضعف حالاتها منذ عقود، تتعرّض لضغط داخلي متصاعد وفي الوقت نفسه تواجه بيئة إقليمية معدّلة جذريًا.

سلسلة من الانتكاسات

شهد الصيف صراعًا استمرّ 12 يومًا بين إيران وإسرائيل شكّل نقطة تحوّل، وانتهى بتورّط أميركي مباشر ومن ضربات جوية استهدفت منشآت نووية إيرانية. ألحق هذا الصراع أضرارًا بالغة بقدرة الدفاع الإيرانية، بالبنية النووية وبمواقع عسكرية وصناعية عدة. في المقابل تدهور الموقع الإقليمي لإيران؛ سقوط بشار الأسد في سوريا بحرّ من حليف مهم لطهران، والهجمات الإسرائيلية المستمرة على حزب الله في لبنان قضت على جزء كبير من قياداته. كما أدت عمليات أميركية في فنزويلا واقتطاف نيكولاس مادورو وزوجته سليا فلوريس إلى تضييق خيارات إيران خارج حدودها.

يقرأ  الجيش النيجيري يعلن مقتل قيادي بارز في بوكو حرام بضربة جوية دقيقة

كل هذه التحولات أعادت تشكيل البيئة الإقليمية والدولية لطهران، فأصبحت لديها تحالفات أقل وطرقًا أقل لتحويل عائدات النفط إلى الخارج. هذا له أهمية خاصة بالنظر إلى مشاركة إيران الكبيرة في قطاع النفط الفنزويلي إلى جانب روسيا واعتمادها على ترتيبات مالية مع أسواق يُعتقد أنها في الصين. تدهور هذه الشبكات زاد من هشاشة الاقتصاد في وقت يتصاعد فيه الضغط الداخلي.

في ظل ذلك يبدو المرشد الأعلى المتقدّم في السن، علي خامنئي، في أحد أكثر لحظات حكمه غموضًا. أكثر من ثلاثين عامًا من التخطيط لبناء قوى وكيلة إقليمية وآليات للالتفاف على العقوبات وبنية نووية تعرّضت للتقويض أو التدمير في فترة زمنية قصيرة. مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض وبقاء بنيامين نتنياهو في إسرائيل لا يبدو أن هناك مسارًا دبلوماسيًا أو استراتيجيًا واضحًا للخروج من الأزمة دون ثمن باهظ.

لطالما برّر خامنئي ومقربوه الإنفاق الضخم على الحلفاء الإقليميين والبرنامج النووي باعتباره استثمارًا في أمن إيران على المدى الطويل وتقدمها التكنولوجي. اليوم يبدو هذا السرد أضعف من أن يحتمل؛ ومع تصاعد الضغوط داخليًا وخارجيًا، تبدو الأمن الداخلي، الذي عُرض يومًا كمكسب لهذه السياسات، أكثر بُعدًا من أي وقت مضى.