جوهانسبرغ — مشاركة سفن حربية ترفع أعلام الصين وإيران وروسيا في مناورات بحرية تستضيفها جنوب أفريقيا تهدد بتعميق التوتر القائم مع الولايات المتحدة، الذي وصل بالفعل إلى مستويات متدنية.
شوهدت في الأيام الأخيرة سفن تبحر إلى القاعدة البحرية الرئيسة في سيمونز تاون على رأس الرجاء الصالح، قبل انطلاق تمرين استمرّ أسبوعًا قادته الصين بمشاركة أعضاء تحالف الدول النامية الكبرى الذي انطلق عام 2006 باسم «بريكس» ثم أضيفت له جنوب أفريقيا فصار «بريكس» بصيغة الجمع، ومع ضم مصر وإثيوبيا وإندونيسيا وإيران والإمارات تحول التحالف إلى «بريكس+»، ويهدف بحسب قادته إلى تحدي النفوذ السياسي والاقتصادي للدول الغربية الأكثر ثراءً.
أعلنت وزارة الدفاع الجنوب أفريقية أن البحرية تجتمع «لبرنامج مكثف من عمليات السلامة البحرية المشتركة، وتدريبات التشغيل البيني، وحماية الممرات البحرية». ولم تحدد الوزارة بالتفصيل الدول المشاركة، مجملةً الهدف في ضمان أمن الملاحة والأنشطة الاقتصادية البحرية.
التقاء قوات عسكرية لأعضاء «بركس+» أثار تساؤلات؛ فالمجموعة التي بدأت كإطار اقتصادي تضم أحيانًا دولًا على طرفي نقيض سياسي، بل تشهد بين بعضها اشتباكات حدودية عرضية. يقول محلل الدفاع دين وينجرين إن ثمة تناقضًا واضحًا في جمع دول متضادة سياسياً ضمن مناورات عسكرية مشتركة. ويتذكر المراقبون أن جنوب أفريقيا نظمت تدريبات بحرية سابقة مع الصين وروسيا باسم «موسي» في 2019، وأن الدورة الثانية عام 2023 تعرضت لانتقادات بسبب توقيتها بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
كان من المقرر أن تُعقد الدورة الحالية في نوفمبر الماضي تحت اسم «موسي III»، لكن تأجيلها بسبب قمة قادة مجموعة العشرين التي استضافتها جنوب أفريقيا أدى إلى تغيير اسم التمرين وتوسيعه ليصبح تمرينًا بحريًا لـ«بريكس+» بعنوان «إرادة من أجل السلام».
في سياق سياسي داخلي وخارجي متشنج، قد يؤدي توسيع نطاق التمرين إلى مزيد من الفجوة مع الولايات المتحدة، أحد شركاء جنوب أفريقيا التجاريين الرئيسيين. يؤكد أستاذ جامعة ويتواترسراند ويليام غوميدي أن العلاقات مع الولايات المتحدة كانت متوترة منذ عودة إدارة ترامب، بل قبل ذلك اتهمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة جنوب أفريقيا بـ«الميل المعاد لأمريكا» في قضايا دولية عدة. ومع تصاعد الخلافات، اتخذت إدارة ترامب إجراءات عقابية تضمنت رفع تعريفات جمركية وإلغاء مساعدات، كما أثارت جدلاً واسعًا بتصريحات اعتبرت أن سلطات جنوب أفريقيا فشلت في حماية الأقلية البيضاء، واقترحت منح بعض أفراد هذه الأقلية وضع لاجئ في الولايات المتحدة.
زاد من الاحتقان دور بريتوريا في دعوى نُظرت أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل، وما أعقب ذلك من ردة فعل أمريكية قوية، وزاد عدم النجاح الظاهر لزيارة الرئيس سيريل رامافوزا إلى البيت الابيض في تهدئة الأمور، إذ تعرض خلالها لمواقف محرجة تتعلق بمزاعم عن جرائم ضد مزارعين بيض في جنوب أفريقيا — مزاعم لم تصدر عنها أحزاب جنوب أفريقية أي دعوات لوجود «ابادة» من هذا النوع.
من الناحية الاقتصادية يحذر غوميدي من الاعتماد على لغة العواطف في السياسة الخارجية: العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة، سواء عبر القطاع الخاص أو الاستثمارات أو المجتمع المدني الأمريكي، لها أثر عملي أكبر على سوق العمل الجنوب أفريقي مما هو منسوب إلى الصين، وفق تقديره. وتضارب الأرقام بين من يقول إن الشركات الأمريكية وفرّت أكثر من 500 ألف وظيفة في جنوب أفريقيا وبين إحصاءات حكومية ذكرت أن الاستثمارات الصينية خلّفت نحو 400 ألف وظيفة.
وحذّر البنك المركزي من أن تعريفات أمريكية جديدة بنسبة 30% على صادرات جنوب أفريقيا قد تؤدي إلى خسارة نحو 100 ألف وظيفة، خصوصًا في قطاعات الزراعة وصناعة السيارات. من ناحية أخرى، يرى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي أن الصين شريك أيديولوجي، وتُقدر روسيا لدورها التاريخي في دعم كفاح الجسم الحاكم ضد نظام الفصل العنصري، لكن خسارة الحزب للأغلبية البرلمانية في 2024 وولوجه ائتلافًا مع أحزاب أخرى مثل التحالف الديمقراطي ذي التوجه الغربي استدعت، بحسب نقّاد، مراجعة سياسة خارجية شاملة تأخذ في الحسبان شركاء الائتلاف.
التحالف الديمقراطي انتقد التمرين واعتبره إضعافًا لسياسة عدم الانحياز، مشيرًا إلى أن قيادة التمرين من قبل قوات من دول تواجه عقوبات ومشارَكة دول في نزاعات نشطة يجعل من استضافة وتدريب هذه القوات قرارًا سياسيًا وليس محايدًا. في المقابل برر مسؤولون دفاعيون جنوب أفارقة القرار بأنه فرصة تدريبية مهمة لقواتٍ عانت من تقليص الميزانيات لعقود، ونقص السفن والقدرات البحرية التي تفرض الاستفادة من كل فرصة للتدريب مع أي قوة تقبل القدوم إلى جنوب أفريقيا. وقال نائب وزير الدفاع بانتو هولوميزا إن مشاركة قوات مجهزة جيدًا تشكّل مصدر فخر وتعزز معنويات الجنود.
لكن المخاوف لا تنحصر في القيود العسكرية؛ فالرهان هنا على «المشهد العام» أو الانطباع الدولي أكثر من فعالية التمرين بحد ذاته. فقد يؤدي المشهد إلى تعقيد مفاوضات تجارية مع دول معينة، وهو ما قد يضاعف الضغوط الاقتصادية على اقتصادٍ يعاني أصلًا.
بين المحللين من يرى الموضوع من زاوية عملية بحتة، مثل سانديل سوانا، الذي يؤكد أن الهدف المعلن من التمرين — تأمين البحار لحماية التجارة الدولية ومكافحة القرصنة — مقبول عمومًا، وأن الأثر السلبي المحتمل على العلاقات مع الولايات المتحدة قد لا يكون عميقًا أكثر مما عليه الآن، خاصة وأن تصريحات ترامب كثيرًا ما تتسم بالتصعيد ثم التراجع. لكن غوميدي يكرر التحذير: إذا لم تتجه سياسة جنوب أفريقيا الخارجية نحو مزيد من التوافق أو الواقعية مع واشنطن، فإن البلد معرض لأن يُضغط من قبل الصراع المستعر بين الولايات المتحدة من جهة وكل من الصين وإيران وروسيا من جهة أخرى، وستكون جنوب أفريقيا الخاسر الأكبر.