استغلال حصيلة القتلى: صناعة الإجماع لشنّ هجوم على إيران — احتجاجات

منذ حملة القمع التي شهدتها ايران بين 8 و10 يناير، اشتد الجدل حول الحصيلة الحقيقية للقتلى في تلك الأيام الدموية. تقول الحكومة الإيرانية إن 3,117 شخصًا لقوا حتفهم، بينهم مدنيون وعناصر أمنية، بينما طرحت تقديرات خارجية أرقامًا تتراوح بين نحو 5,000 وصولًا إلى أعداد مذهلة بلغت 36,500.

هذا التباين الواسع لا يعكس فحسب صعوبة التحقق من التقارير، بل يشير أيضًا إلى محاولة منظّمة لاستثمار أرقام الوفيات لصناعة قبول دولي لضربة على إيران، وفي خطاب مخادع لتقليل حجم المجزرة المعلنة في غزة.

منذ اندلاع الاحتجاجات جرت سباقية لتقدير الوفيات — ما أسميته «أولمبياد الحصيلة». منظمات حقوقية تركز على إيران يقودها ناشطون منفيون تعمل على جمع الأدلة والشهادات للتحقق من أعداد القتلى. ووفقًا لما نقلته وكالة HRANA الأمريكية، فقد وثّقت أكثر من 6,000 حالة وفاة بينما لا تزال آلاف الحالات — تفوق 17,000 — قيد الفحص.

مع ذلك، تثار شكوك مشروعة حول سرعة ودقة عمليات التحقق التي يقودها الناشطون. لكل حالة وفاة مُبلّغ عنها، لا بد من فحص روايات متعددة، واستبعاد التكرارات المحتملة، ومقابلة التواريخ والمواقع والظروف الخاصة مع تسلسل الأحداث. كما أن أي دليل مرئي يتطلب توطينًا والتحقق منه عبر بيانات المصادر المفتوحة أو تأكيدًا من شهود متعددين. ومن زاوية التحقيق، فإن الاعتماد على إحصاءات ناشطين تتصاعد بسرعة يومًا بعد يوم يستلزم الحذر في قبولها كأدلة قاطعة.

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بإيران، ماي ساتو، ذكرت تقديرًا حذرًا يقارب 5,000 وفاة، مبيّنةً في الوقت نفسه أن أرقامًا غير موثقة تصل إلى 20,000 تم الإبلاغ بها إليها من مصادر طبية. وقد زاد تقييد الإنترنت في إيران من صعوبة التحقق خلال الأسابيع الماضية، ومع ذلك بدأت وسائل إعلام كبرى في تداول أرقام أعلى بكثير اعتمادًا على مصادر مجهولة تزعم امتلاكها صلات داخل المؤسسات الحكومية أو الصحية.

يقرأ  رئيس إيران يتعهد في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بعدم تصنيع قنبلة نووية أبداًأخبار الأمم المتحدة

على سبيل المثال، نشرت قناة إيران إنترناشونال تقريرًا ادّعت فيه مقتل 36,500 شخصًا مستندةً إلى «تقارير واسعة» قيل إنها من جهاز الأمن الإيراني، من دون نشر هذه التقارير أو إتاحة شفافيتها. ونشرت مجلة تايم في عددها مقالًا حمل عنوانًا يشير إلى أن حصيلة الوفيات قد تتجاوز 30,000 استنادًا إلى روايات مسؤولين كبار في وزارة الصحة لم يُكشف عن هوياتهم، مع اعتراف المجلة بأنها لا تملك وسيلة مستقلة للتحقق من هذا الرقم. وتبع ذلك مقال في الغارديان استعرض رقم 30,000 بناءً على تقدير طبيب مجهول، مع إشارة الصحيفة إلى تردد المصدر وزملائه في إعطاء رقم محدد.

كما انتشرت تقديرات أخرى — من صحيفة Sunday Times إلى برامج تلفزيونية — استند بعضها إلى أوراق تداولها طبيب عيون مقيم في ألمانيا، أمير باراستا، الذي قدّم أرقامًا تتراوح بين 16,500 و33,000؛ غير أن نسخته الأحدث من الورقة (المؤرخة في 23 يناير) اعتمدت وسائل إسقاط قابلة للنقاش، ولا يخفي باراستا ارتباطه بريزا بهلوي ابن شاه إيران المخلوع. وليست هذه الصلات بريئة: فريق ولي العهد المنفى وعمليات التلاعب الإعلامي والمعلوماتي الواسعة التي شنّها معروفة من خلال تحقيقات صحيفة هآرتس ومختبر الباحثين The Citizen Lab بجامعة تورونتو، ما يجعل أرقام باراستا على أقل تقدير تقديرات متحيزة.

رغم اعتراف بعض وسائل الإعلام بعدم قدرتها على التحقق المستقل من هذه التقديرات، إلا أنها وضعت الأرقام القصوى في عناوينها الفرعية والصفحات الرئيسية. وسرعان ما نقلت وسائل أخرى هذه الأرقام المتضخمة، معتبرة تلك المنشورات مصادر أساسية، واستغلّها ناشطون وسياسيون غربيون لدفع سياساتهم، ما أدى إلى تفاقم دوامة حملات التضليل على شبكات التواصل. وبهذا وُلدت «أولمبياد الحصيلة».

هذا المناخ خدم غايتين رئيسيتين: الأولى، دعم محاولات صناعة قبول لتدخل عسكري أجنبي أو إجراءات سياسية عدوانية؛ إذ هدد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مرارًا بإجراءات عسكرية رداً على أي حملة قمع مميتة، ومع كتابة هذه السطور شهدت المنطقة تعزيزًا أمريكيًا عسكريًا ملحوظًا حول إيران. والثانية، ساعدت التكهنات حول حصيلة القتلى في إيران بعض السياسيين والمعلّقين المؤيدين لإسرائيل على التقليل من حجم ضحايا الحرب الإسرائيلية على غزة، فصبحت تلك الأرقام أداة نسبية لتبرير أو تقليل خطورة ما يجري في فلسطين.

يقرأ  الولايات المتحدة تسحب ست تأشيرات على خلفية وفاة تشارلي كيرك وسط حملة تشديد على منصات التواصل — أخبار دونالد ترامب

في مواجهة الضغوط المتصاعدة بشأن الحصيلة، أصدر رئيس إيران، مسعود بيزِشكيان، توجيهًا بنشر أسماء وبيانات المتوفين خلال الأحداث الأخيرة، ووعد مدير اتصالاته بإنشاء إجراء لفحص وتدقيق أي مزاعم متضاربة. يبقى السؤال مدى فاعلية وشفافية هذا الإجراء عند تطبيقه. من المؤكد أن آلافًا قد قُتلوا في إيران، ومعظمهم نتيجة إجراءات قوات الأمن خلال حملات قمع عنيفة متعددة الأيام.

ستظل الغموض البنيوي ومحدودية وصول الخبراء المستقلين إلى البلاد عقبة أمام الوصول إلى حصيلة نهائية دقيقة. لكن كلما زادت الشفافية بشأن حجم القتل، ارتفعت إمكانية مساءلة المسؤولين. عملية تحقق شاقة من حالات الوفاة الأخيرة ضرورية ليس فقط من أجل المساءلة، بل أيضًا لكشف التلاعب الإعلامي الذي يمهّد مجددًا لعمل عدواني أحادي تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وبالنظر إلى ذلك، تبقى «أولمبياد الحصيلة» إهانةً وضررًا مُخزيًا للمقهورين من فلسطين إلى إيران.

الآراء المعبر عنها هنا تعود للمؤلف ولا تعبّر بالضرورة عن سياسة الجزيرة التحريرية. الملابسات الأخيرة ما تزال قيد التدقيق.

أضف تعليق