«الإكراه عن بُعد»: كيف تعاملت الولايات المتحدة منذ اختطاف مادورو؟ — توترات بين واشنطن وفنزويلا

بداية استثنائية للعام الجديد: عملية عسكرية مميتة نفذتها الولايت المتحدة على أراضي فنزويلا، وخطف زعيم البلاد طويل الأمد، نيكولاس مادورو.

ثلاثة أسابيع بعد هذه العملية، التي وُصفت على نطاق واسع بأنها انتهاك للقانون الدولي وقد تكون بداية لتحرك إدارة دونالد ترامب نحو تحقيق «الأسبقية» في نصف الكرة الغربي، لا تزال خريطة استراتيجية واشنطن تجاه فنزويلا غامضة إلى حد كبير.

الهدوء الظاهر في شوارع فنزويلا يغطي توتّرات عميقة بشأن ما سيأتي، حسب محللين تحدثوا إلى الجزيرة. خطوط التصدع داخل قيادة البلاد لا تزال فعّالة، والوضع عرضة للتصعيد أو التراجع حسب قرارات ترامب وكبار معاونيه.

«العمل وكأن هناك سلاحاً مسلطاً على الرأس»
يقضي مادورو حالياً عقوبة احتجاز في نيويورك منذ عملية الثالث من يناير، في انتظار محاكمة بتهم تتعلق بتجارة المخدرات وما يُسمى بالتآمر لممارسة «الإرهاب المخدّر».

لكن عناصر كثيرة رافقت عملية اختطافه باقية: جزء كبير من الترسانة العسكرية الأميركية ما يزال منتشراً قبالة السواحل الفنزويلية؛ وحصار على ناقلات نفط مرتبطة بالفنزويلا تحت عقوبات أميركية مستمر؛ وإدارة ترامب تعهّدت بمواصلة ضرب قوارب تهريب المخدّرات في البحر الكاريبي، من دون استبعاد عمليات برية مستقبلية على أراضي فنزويلا.

كما وصفت فرانسيسكا إيمانويل، الباحثة في مركز البحوث الاقتصادية والسياسات العامة، أنّ ما يُرى «ليس استراتيجية مكتملة، بل استراتيجية قيد التشكل».

ترامب بدا في البداية مُصرّاً على إدارة شؤون فنزويلا مباشرة، وفي الوقت نفسه خفّض احتمالات دعم حكومة معارضة، قبل أن يلتقي الأسبوع الماضي ماريا كورينا ماتشادو، ويركّز بدلاً من ذلك على التنسيق مع الرئيس المؤقت ونائب مادورو السابقة، ديلسى رودريجيز. مناورات الرئيس المبكرة — شملت أول مكالمة مباشرة مع رودريجيز وإرسال مدير وكالة الاستخبارات المركزية إلى كاراكاس — ركزت بلا خجل على تأمين وصول الولايات المتحدة إلى نفط فنزويلا.

في هذا الإطار، سعى ترامب إلى إرساء «آلية تحكّم» تعتمد، بحسب بيجوم زورلو من جامعة سيتي بلندن، على الخوف: عقوبات، ورقابة على النفط، وتهديد باستئناف القوة العسكرية. الناتج، كما تقول المحللة، ليس حُكماً بل نموذج إكراه عن بُعد يهدف إلى إجبار القيادة ما بعد مادورو على الانصياع لمطالب واشنطن، لا سيما فيما يتعلق بالوصول إلى النفط.

يقرأ  الجيش السوري يسيطر على أكبر حقل نفطي في البلاد من القوات الكردية

التركيز على النفط
في الأيام التي تلت اختطاف مادورو، أعلنت واشنطن وكاراكاس عن خطة لتصدير نحو ملياري دولار من الخام العالق في موانئ فنزويلا بسبب الحصار الأميركي. ثم أُعلن، الأسبوع الماضي، عن أول صفقة بقيمة 500 مليون دولار، وقالت رودريغيز إن كاراكاس حصلت على 300 مليون دولار من العائدات لاستخدامها في «استقرار» سوق الصرف الأجنبي.

مع ذلك، يرى فيل غانسون، محلل أول في مجموعة الأزمات الدولية، أن آلية حصول الولايات المتحدة على النفط وبيعه لا تزال غامضة. أسئلة كثيرة لم تُجب، وتصبح أكثر إلحاحاً في ضوء سجل واسع من الفساد والمحسوبية في فنزويلا. وطالب مشرّعون أميركيون بالكشف الفوري عن أي مصالح مالية لمسؤولين أميركيين في الشركات المتورطة.

بيع النفط «الجزء السهل»، كما قال غانسون، لكن من يقرر كيفية إنفاق العائدات؟ وكيف تُدار السلع والخدمات المشتراة؟ وبأي معايير وتحت أي إشراف؟

رؤية ترامب لإشراك شركات أميركية في استغلال احتياطيات فنزويلا الضخمة اصطدمت بعقبات سوقية، حتى مع فتح البرلمان الفنزويلي نقاشاً لتعديل قانون الهيدروكربونات لجذب استثمارات أجنبية أكبر إلى قطاع النفط المملوك للدولة. بعد ستة أيام فقط من اختطاف مادورو، دعا ترامب 17 شركة نفط إلى البيت الأبيض ووعد باستثمارات «لا تقل عن مئة مليار دولار». لكن قادة الصناعة أشاروا إلى إصلاحات رئيسية لازمة قبل أن تُصبح فنزويلا قابلة للاستثمار.

وعلى الرغم من وعود ترامب بتوفير الأمن للشركات الأميركية العاملة هناك، بما في ذلك خيار الاستعانة بمتعاقدين دفاعيين خاصين، فإن غياب الوضوح ما زال سائداً. تثير هذه المقاربة عالية الضغط تناقضاً مركزياً، بحسب زورلو: نموذج الإكراه المصمم لتأمين سيطرة أميركية على النفط الفنزويلي قد يقوّض في النهاية مناخ الاستثمار اللازم لاستخراج ذلك النفط على نطاق واسع.

كيف استجاب قادة فنزويلا؟
في شوارع كاراكاس تبدو الأجواء «متوترة لكنها هادئة»، بحسب غانسون. هناك حضور نشط استثنائي للكولكتيفوس — الجماعات شبه العسكرية المؤيدة للحكومة — ووحدة النخبة للاستخبارات العسكرية (DAE) التي تبدو رسالة مفادها أن لا فتح سياسي مرجّح على المدى القريب.

يقرأ  مصرع شخصين على الأقل و21 مفقودًا إثر انزلاقات أرضية في جزيرة جاوة بإندونيسيا— أخبار الفيضانات

لا احتفالات ولا احتجاجات واسعة؛ معظم الناس في وضع «ننتظر ونرى». وعلى صعيد المؤسسات، بدا أن مراكز القوة الثلاثة في الحكومة — الجناح المدني بقيادة رودريغيز وأخوها رئيس الجمعية الوطنية خورخي خيسوس رودريغيز، والقيادة العسكرية بقيادة وزير الدفاع باودرينو لوبيز، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو المسيطر على الشرطة وكثير من أجهزة الاستخبارات وذو النفوذ داخل الجيش — تحفّظت عن أي خطاب عام حاد.

في الأسابيع التي تلت العملية، حكومتان عادةً ما تنتقدان «الإمبريالية الأميركية» بحدة تبدو الآن كأنها تكبت لسانها لتجنب استفزاز ترامب ووزير خارجيته. رودريغيز تحوّلت من لهجة تحدي علني — إن كانت أداءً سينمائياً في بعض جوانبه — إلى نبرة أكثر تصالحية تجاه إدارة ترامب. شملت التعديلات أيضاً تغييراً وزاريّاً أطاح بحليف مادورو منذ زمن طويل والهدف الأمريكي المستمر، ألكس ساب، من منصب وزير الصناعة والإنتاج الوطني.

ديلسي رودريغيز أيدت علناً خطط فتح قطاع النفط أمام مستثمرين أجانب، بينما بدأت حكومتها تدريجياً بالإفراج عن سجناء سياسيين اعتُقلوا عقب حملة قمع ضد المعارضة بعد إعلان مادورو عن فوزه المثير للجدل في انتخابات 2024.

أقسى عبارات الإدانة للإجراءات الأمريكية بقيت محفوظة لمسؤولين آخرين، من بينهم هوغو كاربّيو ووزير الخارجية إيفان جيل، وإن كانت تلك التصريحات «أُخفِيت» بشكل ملحوظ ومعتدل، كما أشارت إيمانويل.

كمثال، لفتت إلى تصريح ترامب بأن حليفة مادّته، كوبا، لن تتلقى بعد الآن دعماً نفطياً أو مالياً من فنزويلا. ردّت وزارة الخارجية الفنزويلية بتأكيد دعمها لهافانا، لكنها تجنّبت أي إشارة صريحة إلى خططها المستقبلية بشأن النفط.

«هذا يوحي بجهد محسوب للحفاظ على هامش مناورة تحت ضغوط وإكراه أمريكي»، قالت إيمانويل. «وهذا مهم لأنّه يبدو أحد الشروط التي تحاول إدارة ترامب فرضها على فنزويلا كقيمة مقابل الاستمرار في مسار “التفاوض”.»

يقرأ  رحيل مؤثرة وعضوة مجلس المدينة عن عمر يناهز ثلاثين عاماً

ما خطوط الخلاف المتبقية؟

حذّر محلّلون من أن الامتثال المبكّر الذي أبداه قادة فنزويلا لا ينبغي تفسيره على أنه استقرار دائم، لا سيما في بلد اعتمد مسؤولوها لسنوات على نظام واسع من المحاباة والزبائنية.

شرح غانسون أن إخوة رودريغيز «قد يُزاحون في أي لحظة إذا قررت الفصائل المسلحة ذلك».

وبروزت حقيقة أن مادورو وبادرينو وكاربّيو ما زالوا مطلوبين بمذكرات اتهام أمريكية ومكافآت على رؤوسهم.

قال غانسون: «حالياً، ليس في مصلحتهم التصرف بخلاف ذلك، ويبدو أنهم يعملون بتنسيق وثيق مع المدنيين. لكن ذلك قد يتغير إذا تعرّضت مصالحهم الجوهرية للتهديد، لا سيما في حال محاولة انتقال سياسي.» وأضاف: «ينبغي أن يخشوا أن تعود الولايات المتحدة لملاحقتهم، أو أن يؤدي فتح سياسي متفق عليه مع إخوة رودريغيز إلى ملاحقتهم قضائياً سواء في فنزويلا أو في الولايات المتحدة.»

لا يزال من المستحيل قياس مدى عمق انعدام الثقة في كاراكاس، رغم تزايد الشكوك التي تقول إن اختطاف مادورو استلزم تعاوناً من بعض أركان دائرته المقربة.

ذكرت صحيفة الغارديان، نقلاً عن أربعة مصادر، أن ديلسي رودريغيز أكدت سابقاً للمسؤولين الأمريكيين استعدادها للتعاون في حال الإطاحة بمادورو. المصادر أكدت أنها «لم توافق على المساعدة الفعلية للولايات المتحدة في الإطاحة» بمادورو، وأن اختطاف الزعيم الطويل لم يكن انقلاباً مهيأ مسبقاً.

كما أفادت وكالة رويترز بأن مسؤولين أمريكيين تواصلوا مع كاربّيو في الأشهر التي سبقت العملية، وإن لم يتضح إن كانوا ناقشوا ترتيبات الحوكمة المستقبلية.

«لا نستطيع رؤية الحسابات الداخلية بوضوح بين القادة المدنيين والقيادة العسكرية، ولا الشرخ داخل القوات المسلحة نفسها، ولا إلى أين تميل الولاءات في جهاز الأمن»، قالت الباحثة زورلو.

وأشارت إلى أن خلافات قد تمتد أيضاً إلى «استراتيجية النظام» نفسها، وإلى ما إذا كان بعض أعضاء الحكومة ينظرون إلى التنازلات أمام الولايات المتحدة كتهديد وجودي.

سيتبيّن في الأشهر المقبلة شقوق ربما لم تظهر بعد.

أضف تعليق