التدريس الجيد الآن مدعومٌ بعلمٍ متين إعادةُ النظر في أفكارِ جون هولت

نظرة عامة:

تؤكد الأبحاث العصبية الحديثة، بعد عقود من ملاحظات المعلمين مثل جون هولت، صحة رؤى عميقة حول طرق تعلّم الأطفال؛ وتبرز الحاجة الملحّة لتعاون حقيقي بين الممارسين التربويين والباحثين لإعادة التفكير جذرياً في كيفية دعم المدارس لعمليات التعلّم.

بعد ربع قرن من متابعة تطورات البحث، انخرط الكثير من المعلمين والإداريين حديثاً في مطالعة علم الأعصاب، وما يجذبهم في المؤتمرات وورش العمل هو سؤال واحد ضاغط: كيف نحسّن تعلم التلاميذ؟ هذا السؤال منطقي إذا تأملنا الضغوط الدائمة على المهنة—عجز الوصول إلى تلاميذ يبدو أنهم يعيشون على الطرف الآخر من هوّة متسعة بين الكتاب وتطبيقات قصيرة، ضغط رفع درجات الاختبارات، سهام النقد الموجّهة إلى المعلمين، ومآزق الخوف والشك الذاتي التي تؤثر على أداء المدرّسين. الأبحاث الجديدة لا تضع حلاً سحريّاً، لكنها توضح آليات التعلّم وتطرح تبعات تتحدى افتراضات وممارسات متجذّرة في مدارسنا.

أثناء مراجعتي لكتبي القديمة، صادفت طبعة رخيصة من كتاب جون هولت “كيف يفشل الأطفال” (1964)، وتذكرت أن هولت استنبط استنتاجاته من مراقبة سلوك التلاميذ في الصفوف. ما لفت انتباهي هو تماثل كثير من استنتاجاته مع ما تؤكده دراسات fMRI والبحوث العصبية اليوم، من جملٍ مثل:

– تؤكد الأبحاث أهمية الانتباه وتطوير مهارات ما وراء المعرفة لدى الطلاب. وهولت يكتب بأن معظمنا لا يتحكّم بانتباهه بشكل تام، وأن جزءاً من أن تكون طالباً جيداً هو أن تَعي حالة ذهنك ومدى فهمك.

– تفحص الأبحاث تأثير العوامل البنيوية والبيئية على أداء التلاميذ وبناء مهاراتهم. هولت يتساءل إن كان طلابه ليصلوا للحل لو لم يمهّد الطريق لهم بالأسئلة الموجّهة—سؤالُه عن السببية لا يزال قابلاً للنقاش.

– تشرح الأبحاث كيف حلت الدرجات والمقاييس محل التعلّم الحقيقي. هولت يلاحظ أننا أدرجنا التقييم كأداة تحفيز، فأذكى التلاميذ وجدوا طرقاً للحصول على نتائج جيدة لا علاقة لها بفهمهم الحقيقي للمادة.

يقرأ  الجزائر — صالح باي عبود يكشف الملابسات في قضية غاساما

– تكشف الدراسات الدور البنّاء للانتكاس (الذي يُساء فهمه غالباً على أنه فشل) في بناء مهارات ومفاهيم أعقد. هولت يدعو لنظر إلى الفشل بوصفه مشرفاً وبنّاءً بدل أن يكون مهيناً، ويشير إلى أن الطفل لا يشعر بالخزي من الفشل كما يفعل الكبار لأن المجتمع لم يعلّمه العار بعد.

– تبحث الأبحاث تأثير الخوف على التفكير والتعلّم. هولت وصف آلية يقضي بها الخوف على الذكاء، وكيف يغيّر طريقة الطفل في النظر إلى الأمور والتفكير فيها والتعامل معها—مع أن الأمر المفاجئ هو مقدار الخوف الموجود داخل المدرسة.

– تؤكد الأبحاث ضرورة ربط التعلّم الجديد بفهمٍ حقيقي للعالم يجيبه الطلاب إلى الصف. هولت لاحظ أن التعليم غالباً ما يكون منعزلاً عن واقع الحواس والمعقولية اليومية لدى التلميذ.

– تتناول الأبحاث قضية الواجبات المنزلية والصرامة الأكاديمية. هولت لفت أن جدول أعمال ثقيل يجعل الأطفال مشغولين جداً بحيث يتوقفون عن التفكير الحقيقي، بينما عبء أخف يسمح لهم بالانخراط في محاولة الفهم.

– تُحذّر الأبحاث من خطر التركيز على التغطية والاختبار بدل بناء الفهم المفاهيمي. هولت يشكو أن الأطفال كثيراً ما يُساء تقديرهم لأنّ المعلمين سعوا لإظهار أنّ المواد قد “تُغطّى”، لا لأنّ التعلم حدث فعلاً.

– تربط الأبحاث بين العاطفة والتعلّم، وتؤكّد أهمية دراسة أسئلة ومواضيع تلامس حاجة المتعلّم الحقيقية. هOLT يؤكد أن الإجابة الوحيدة التي تبقى في ذهن الطفل هي إجابة عن سؤال طرحه هو بنفسه أو كان ليطرحه.

– تؤكد الأبحاث على ضرورة فهم المعارف والمهارات التي يحضرها المتعلّم إلى الصف. هOLT يذكّرنا أن سبب فشل بعض الأطفال في اكتساب شيء خلال سنوات المدرسة يعود إلى أنّ أحداً لم يبدأ معهم من حيث هم فعلاً.

يقرأ  حكم مرتقب بحق بولسونارو — ماذا ينتظر البرازيل وما رد فعل ترامب؟ — أخبار الصراع

– وفي الخلاصة، تفضح الأبحاث خدعة المدارس الكبرى: حتى الأطفال الصغار يكتشفون أن ما يريد المعلمون غالباً ليس المعرفة والفهم بل مظهرهما.

لماذا أستشهد بهذه الملاحظات القديمة؟ لأذكّرنا بأن المعلمين الجيدين قد عرفوا أو شعروا بالعديد من الحقائق التي يؤكدها العلم العصبي اليوم. ولأكون واضحاً: اعلم انه هناك أغلب الزملاء ما زالوا متمسكين بفرضيات تقليدية معيبة تشكّل الأساس الذي ترتكز عليه مدارسنا؛ أنا لا أخاطبهم هنا. مخاطبتي للذين يصرّون على وصل العلم بالممارسة—حيث تتجاوب خبرة الصفّ مع بصائر البحث—لأنّ هناك نقطة تلاقٍ ينبغي تعميقها حتى نعيد بناء مدارس تدعم تعلّماً حقيقيّاً. لكن عندما يلتقي المعلمون والباحثون، غالبًا ما يحدث — في رأيي — أن المعلمين يجلسون صامتين يستمعون إلى محاضرات علماء الأعصاب كما لو أنهم لا يملكون شيئًا يضيفونه، ويعكس كثير من علماء الأعصاب هذا الانطباع أيضًا. لا بد أن تفسح المحاضرة طريقها للنقاش، لأن هناك ثروة من المعارف والخبرات التي يمكن أن يتبادلها المعلمون والعلماء فيما نعيد التفكير في دور المدارس وشكلها.

ربما معًا سنكون اخيرًا أقوى وأكثر جرأة لننطلق في تطبيق الرؤى التي كتب عنها معلمون مثل جون هولت بشغف قبل خمسين عامًا — ناهيك عن ماريا مونتيسوري وجون دووي قبل ذلك بخمسين سنة. ربما لن نحتاج إلى انتظار نصف قرن آخر للإجابة عن سؤال كيفية تحسين تعلم الطلبة. وربما ننجح أخيرًا في تغيير تصميماتنا المدرسية جذريًا.

أضف تعليق