الجوع يخيّم على اليمن — حاجة إنسانية ملحّة إلى تحرّك فوري لإنقاذ الأرواح

استمع إلى هذا المقال | ٥ دقائق

بينما تتجه الأنظار الدولية نحو الصراع في إيران وتداعياته الإقليمية، تمر أزمة مدمرة في اليمن כמעט بدون انتباه. الشعب اليمني يجوع في صمت. أكثر من نصف السكان — نحو 18 مليون شخص — متوقع أن يواجهوا مستويات متدهورة من انعدام الأمن الغذائي في أوائل 2026. لتصوّر حجم هذه الكارثة، تخيّل أن كامل سكان هولندا يجوعون.

في مسح أجراه المؤتمر الدولي للانقاذ (IRC) العام الماضي، أعطى نحو كل مستجيب أولوية للطعام كأكثر الاحتياجات إلحاحًا، وأفادت قرابة 80 بالمائة من الأسر بوجود جوع شديد. هذه ليست معاناة معزولة، بل واقع واسع يشكل حياة الناس اليومية في المجتمعات.

تتطابق نتائجنا مع توقعات تصنيف مراحل الأمن الغذائي المتكاملة (IPC)، التي تحذر من أن مليون شخص إضافي معرضون حاليًا للانزلاق إلى جوع يهدد الحياة — ما يصنف ضمن المرحلة 3+ من IPC. وتعني المرحلة 3 وما فوق أن الأسر تفوت وجبات بانتظام، وتعتمد على الديون، وتضطر لبيع ما تبقى لديها — مجوهرات، ماشية، أدوات، حتى أبواب واسطوانات غاز الطبخ — لشراء الغذاء. كما يعني ذلك أن احتمال إصابة الأطفال بسوء تغذية حاد يزداد، وأن أمراضًا كانت تُعدّ قابلة للشفاء تصبح مميتة.

الأسوأ من ذلك، من المتوقع أن تظهر بؤر مجاعة تؤثر على أكثر من 40,000 شخص في أربعة مديريات خلال الشهرين المقبلين، مما يجعل توقعات الأمن الغذائي في اليمن الأكثر قتامة منذ 2022. بالنسبة للعديد من الأسر، أصبحت الوجبات حصّة يومية من الخبز والماء؛ وفي حالات أخرى، يتخلى البالغون عن الطعام ليأكل الأطفال.

في المرافق الصحية نرى العواقب بوضوح: أطفال أضعفتهم سوء التغذية إلى حد الخطر، وأمهات مرضعات يعانين هنّ أيضًا من نقص التغذية ويفعلن كل ما في وسعهن لإدامة حياة رضّعهن.

يقرأ  احتمال وصول قافلة بحرية من غزة إلى مياه إسرائيل في يوم الغفران (كيبور)

في هذه الظروف، الجوع ليس مجرد غياب للطعام، بل إطفاء تدريجي لجسد الإنسان. يضطر الآباء لتمديد كميات ضئيلة من الدقيق إلى خبز رقيق أو تخفيف العدس حتى يصبح مرقًا أكثر منه طعامًا. هذه آليات مواجهة أصبحت شائعة في المجتمعات التي زرناها، حيث تعيش الأسر على وجبة واحدة يوميًا بسبب ارتفاع الأسعار وانهيار الدخل.

طالما اعتمد اليمن تاريخيًا على واردات تلبيةً لحوالي 80–90 بالمائة من الحبوب الأساسية، وإنتاجه المحلي لا يشكل سوى جزء ضئيل من الاحتياج — هشاشة بنيوية زادتها سنوات الصراع والانكماش الاقتصادي. أتاح القتال تقويض قدرة كثيرين على حرث أراضيهم أو تربية مواشيهم، ودفع أسرًا ريفية من الحقول إلى النزوح، وقطع سلاسل الإمداد للوقود والأسمدة والبذور.

وأدت تقلبات الهطول وارتفاع درجات الحرارة المرتبطة بتغير المناخ إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي. وحتى في مواسم مطرية، تُشير العائلات إلى أن ندرة المياه وتدهور التربة يجعلان الزراعة مقامرة، وبدون أمن واستقرار وظيفي للأسواق لا يمكن للإنتاج المحلي أن يقترب من تلبية الاحتياجات.

اليمن يترنّح على حافة الانهيار منذ وقت طويل. لكن ما يجعل هذه اللحظة مختلفة — وأكثر خطورة — هو أن التمويل الإنساني الذي كان يعمل كحاجز هش أمام الكارثة قد تقلّص بصورة حادة. ومع تسارع الانهيار الاقتصادي وتقلص المساعدات وصدمات المناخ وتصعيدات عسكرية متجددة، تدفع ملايين الأرواح الآن أقرب إلى أزمة لا رجعة فيها.

بنهاية 2025، كانت الاستجابة الإنسانية في اليمن ممولة بأقل من 25٪ — أدنى مستوى تمويل خلال عقد. وتلقّت المساعدات الغذائية المنقذة للحياة لبرامج التغذية نسبة 10٪ فقط من الأموال المطلوبة لمساعدة المحتاجين.

في المؤتمر الدولي للانقاذ شهدنا مباشرة أن تبعات تخفيض المساعدات كانت فورية ومدمّرة. مع توقف خدمات التغذية الحرجة تقلّص عدد المستفيدين بأكثر من النصف. أُغلقت مراكز التغذية العلاجية والعيادات، وانخفضت حالات الدخول إلى المراكز الطبية لعلاج سوء التغذية الحاد — ليس لأن حاجة الأطفال قلت، بل لأنّ مكانًا لتلقّي العلاج لم يَعُد موجودًا.

يقرأ  راكون مخمور يُعثر عليه فاقدًا للوعي على أرض متجر خمور بعد اقتحامه

أزمة الأمن الغذائي الشاملة في اليمن ليست حتمية، والإجراءات الأولية اللازمة لتغيير المسار واضحة.

لمساعدة الأسر اليمنية على الوقوف بذاتها، يجب أولًا أن يعيد المانحون وبشكل عاجل توسيع وتمويل برامج الأمن الغذائي والتغذية المتكاملة في المناطق الأكثر تضررًا. ثانيًا، يجب أن يحظى تمويل برامج علاج التغذية للأطفال والحوامل والمرضعات بأسبقية، بما في ذلك توفير مستمر للغذاء العلاجي الجاهز للاستخدام.

كما يحتاج اليمن إلى دعم لبناء أنظمة مشتركة ترصد توافر الغذاء وحالة تغذية الناس لتمكين الكشف المبكر عن البؤر المحتملة واستجابة إنسانية سريعة ومنسقة.

يمكن لأنشطة مانحين مستهدفة وفورية — واستثمار في حلول إنسانية مثبتة مثل الدعم النقدي الموجّه للأسر المعرضة لسوء التغذية — أن تمنع خسائر واسعة في الأرواح هذا العام وتفتح الباب أمام تعافٍ حقيقي للمجتمعات. لم يفت الأوان بعد لدرء مأساة أكبر.

الآراء المعبر عنها هنا للمؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للجزيرة.

أضف تعليق