غارات جديدة للجيش السوري على أحياء خاضعة لسيطرة الأكراد في حلب بعد رفض مقاتلين أكراد الانسحاب بموجب وقف إطلاق نار، بينما اضطر المزيد من المدنيين للنزوح هربًا من العنف في المدينة الشمالية.
قيادة العمليات بالجيش العربي السوري أعلنت مساء الجمعة بدء عملية عسكرية في حي الشيخ مقصود بعد انقضاء المهلة التي منحت للمقاتلين الأكراد لإخلاء المنطقة في إطار وقف مؤقت لإطلاق النار. وزارة الدفاع السورية كانت قد أعلنت وقف إطلاق النار في وقت سابق من نفس اليوم، إثر ثلاثة أيام من الاشتباكات التي اندلعت بعد فشل الحكومة المركزية وقوات سوريا الديمقراطية بقيادة أكراد في تنفيذ اتفاق يهدف إلى ادماج الأخيرة في أجهزة الدولة.
بعد أحد أشد جولات القتال منذ الإطاحة ببشار الاسد العام الماضي، منحت دمشق الفصائل الكردية نافذة زمنية مدتها ست ساعات للانسحاب نحو منطقتهم شبه المستقلة في شمال شرق البلاد في محاولة لوقف سيطرتهم المستمرة على أجزاء من حلب. لكن مجالس الأحياء الكردية في الشيخ مقصود وشارفيا رفضت أي «استسلام» وتعهدت بالدفاع عن مناطق ظلت تحت إدارتهم منذ الأيام الأولى للحرب التي اندلعت عام 2011.
حذّر الجيش السوري من تجديد الضربات على الشيخ مقصود ودعا السكان إلى الإخلاء عبر ممر إنساني، ونشر خمس خرائط تحدد أهدافًا، مع بدء الضربات بعد نحو ساعتين. ونشرت قوات سوريا الديمقراطية لقطات على منصة X تظهر ما قالت إنه أثر لهجمات مدفعية وطائرات مسيّرة على مستشفى خالد فجر في الشيخ مقصود، متهمة «فصائل وميليشيات تابعة لحكومة دمشق» بارتكاب «جريمة حرب واضحة». ونفت وزارة الدفاع ذلك وذكرت وكالة الأنباء الرسمية سانا أن المستشفى كان مخزن أسلحة، فيما قالت قوات سوريا الديمقراطية في منشور آخر إن ميليشيات حكومية تحاول التقدم في الحي بدبابات لكنها تواجه «مقاومة شرسة ومتواصلة» من قواتها.
في وقت لاحق أعلن الجيش مقتل ثلاثة من جنوده وإصابة 12 آخرين في هجمات شنتها قوات سوريا الديمقراطية على مواقع له في حلب، وزعم أنها ضبطت أن مقاتلين أكرادًا في الحي قتلوا أكثر من عشرة شبان أكراد رفضوا حمل السلاح معهم ثم أحرقوا جثثهم لتخويف السكان، وهو ما وصفته قوات سوريا الديمقراطية بأنه جزء من «سياسة أكاذيب وتضليل» تنتهجها الحكومة.
حتى الآن، بلغت الحصيلة الرسمية 22 قتيلاً و173 جريحًا في حلب منذ اندلاع القتال يوم الثلاثاء، في أسوأ موجة عنف تشهدها المدينة منذ تولي السلطات الجديدة الحكم قبل عام. مدير الدفاع المدني السوري أفاد لوسائل الإعلام الحكومية بأن نحو 159 ألف شخص نزحوا جراء المواجهات في حلب.
انعدام ثقة متبادل
أعمال العنف في حلب سلطت الضوء على واحد من خطوط الصدع الرئيسية في سوريا: قوى كردية قوية تسيطر على مساحات واسعة في شمال شرق البلاد الغني بالنفط تقاوم محاولات الحكومة المركزية لادماجها. الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق أُبرم في مارس من العام الماضي، وكان يفترض أن يتم ادماج المقاتلين ضمن وزارة الدفاع السورية بحلول نهاية 2025، لكن السلطات تقول إن التقدم كان ضئيلاً منذ ذلك الحين.
ظلّت أحياء الشيخ مقصود وشارفيا تحت سيطرة وحدات كردية مرتبطة بقوات سوريا الديمقراطية، رغم تأكيد المجموعة أنها انسحبت من حلب العام الماضي تاركة الإدارة للشرطة الكردية (الأسايش). المحلل السياسي مروان بيشارة قال إن ثغرات كبيرة تفصل الطرفين، خصوصًا بشأن كيفية إدماج المقاتلين الأكراد في الجيش كأفراد أم كوحدات. «ماذا سيحل بالآلاف من المقاتلات الإناث اللواتي باتت جزءًا لا يتجزأ من القوات الكردية؟ هل سينضممن إلى الجيش السوري؟ وكيف سيُدار ذلك؟» تساءل بيشارة. «الأكراد متشككون تجاه الجيش وكيفية تشكله في دمشق، والحكومة المركزية بدورها حذرة وتشكو من شكوكها بشأن رغبة الأكراد في الانضمام كسوريين في دولة موحّدة».
تركيا تمتنع عن عمل عسكري مباشر
في خضم المواجهات، تحدث الرئيس السوري الشراء ه هاتفياً مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مؤكداً عزمه «إنهاء الوجود المسلح غير القانوني» في حلب، وفق بيان الرئاسة السورية. تركيا، التي تمتد حدودها مع سوريا نحو 900 كيلومتر، تعتبر قوات سوريا الديمقراطية امتدادًا لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي خاض صراعًا مسلحًا طويلًا مع الدولة التركية، وقد حذرت من عمل عسكري إن لم يُنفَّذ اتفاق الادماج.
وزير دفاع تركيا ياسار جولر رحّب بالعملية الحكومية السورية، قائلاً «نعتبر أمن سوريا جزءًا من أمننا… وندعم قتال سوريا ضد المنظمات الإرهابية». محلل في مجلس الأطلسي قال لقناة الجزيرة إن أنقرة كانت تنوي إطلاق عملية ضد قوات سوريا الديمقراطية قبل شهور لكنها امتنعت بطلب من الحكومة السورية. إلهام أحمد، مسؤولة كبيرة في الإدارة الكردية بشمال شرق سوريا، اتهمت السلطات السورية «اختيار طريق الحرب» بهجومها على الأحياء الكردية في حلب ومحاولة نسف الاتفاقات بين الطرفين.
تفشّي القلق
تحدث الشراء مع زعيم الأكراد العراقي مسعود بارزاني يوم الجمعة، مؤكداً أن الأكراد «جزء أساسي من النسيج الوطني السوري»، بحسب بيان الرئاسة. وقد تعهد قائد سابق بتنظيم القاعدة مرارًا بحماية الأقليات، لكن مقاتلين موالين للحكومة قتلوا المئات من العلويين والدروز خلال العام الماضي، ما أثار حالة من القلق بين المجتمعات الدينية والطائفية.
المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أعرب عن «قلق عميق» إزاء استمرار العنف في حلب ودعا «جميع الأطراف في سوريا إلى المرونة والعودة إلى طاولة المفاوضات لضمان التطبيق الكامل لاتفاق 10 مارس». وزارة الخارجية الفرنسية ذكرت أنها تعمل مع الولايات المتحدة، الداعم التاريخي لقوات سوريا الديمقراطية خصوصًا أثناء معارك استئصال داعش، للتخفيف من التصعيد. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون طالب الشراء بـ«ضبط النفس» مجددًا رغبة بلاده برؤية «سوريا موحدة تمثل فيها وتحمي كل مكونات المجتمع السوري».