قدَّم مبعوثو الولايات المتحدة مطلبًا مكتوبًا يقضي بتفكيك كامل لأسلحة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وكل الفصائل المسلحة الفلسطينية المتحالفة معها في قطاع غزا، كجزء من خطة تهدف، وفق خبراء، إلى تحقيق «الاستسلام السياسي» التام للحركة.
عرضت «لجنة السلام» المعينة من قبل إدارة ترامب هذا الوثيقة خلال لقاءات عقدت في القاهرة منتصف مارس، وهي تجسد رؤية أمريكية مثيرة للجدل للقطاع، في وقت لا تزال الحرب والاحتلال العسكري الإسرائيليان يمزقان الأرض ويقودان إلى مآسٍ إنسانية هائلة لسكان القطاع البالغ عددهم نحو مليونين، بعد حملة استمرت عامين وصفها كثيرون بأنها إبادة جماعية أودت بحياة أكثر من 72 ألف شخص، غالبيتهم من الأطفال والنساء. آلاف آخرون مفقودون تحت الأنقاض ويعتقد أنهم قضوا.
تُدفع المقترحات هنا في سياق خطة ترامب ذات النقاط العشرين، وتركز على المرحلة الثانية من اتفاق «الهدنة» الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر. وفق الإطار الأمريكي، ستنسحب القوات الإسرائيلية — التي تحتل حاليًا أكثر من نصف القطاع — ولن تبدأ عمليات إعادة الإعمار إلا بعد أن تسلم حماس والفصائل المسلحة الأخرى أسلحتها.
وأوضح نيكولاي ملادينوف، المبعوث المعيَّن من قبل لجنة السلام، أمام مجلس الأمن أن عملية نزع السلاح تستند إلى «مبدأ المعاملة بالمثل»، وقال إن «التفكيك يتم على مراحل متوازية مع سحب القوات». لكنه حث الفصائل الفلسطينية على قبول الإطار «دون تأخير».
ترى الفصائل الفلسطينية والمحللون السياسيون أن المقترح لا يمثل مبادرة دبلوماسية صادقة، بل إنه إنذار قسري يهدف إلى تجاوز اتفاقات سابقة وفرض واقع أحادي الجانب. وصف وسام عفيفه، محلل سياسي من غزة تابَعَ اجتماعات القاهرة عن قرب، الوثيقة بأنها أقرب إلى «رسالة تهديد» منها إلى مشروع تفاوضي.
أشار عفيفه إلى أن النهج الأمريكي الجديد يتخلى عن التزامات إسرائيل والولايات المتحدة المنصوص عليها في الاتفاقات السابقة لصالح مطلب شامل بتسليم جميع الأسلحة، بما في ذلك الأسلحة الشخصية، وربط إعادة الإعمار المشروطة بهذا الأمر بشكل مباشر. وحدد عفيفه ثلاث تحولات استراتيجية رئيسية تُدفع الآن من قِبَل مبعوثي ترامب وفريق الوسطاء، وتهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض:
– عسكرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة: أُنشئت هذه اللجنة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2803 للإشراف على إعادة الإعمار المدني اليومية للقطاع، لكنها شهدت تحوّلًا في اختصاصها. أكد ملادينوف في الأمم المتحدة أن اللجنة بدأت «تدقيق آلاف المرشحين لشرطة مدنية». يرى عفيفه في ذلك محاولة واضحة لتكليف الهيئة بدور أمني مبكر قبل معالجة الكارثة الإنسانية، وتحويلها من إدارة مدنية محضة إلى أداة إنفاذ.
– عقيدة أمنية أحادية الجانب: رغم ادعاءات ملادينوف بالمثلية، يحذر عفيفه من أن الوسطاء قلّصوا العملية الدبلوماسية إلى شرط وحيد هو نزع سلاح الفلسطينيين. «سيُمنح الإسرائيليون اليد الطليقة لإجراء عمليات أمنية ضد أي تهديد محتمل»، يقول عفيفه، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين يُطلب منهم تسليم أسلحتهم من دون ضمانات ملموسة لإعادة الإعمار أو لوقف العمليات العسكرية أو لانسحاب إسرائيلي.
– إعادة إعمار مجزَّأة: تطمح الخطة إلى التعامل مع المناطق الفلسطينية «قَطَعًا»، بحيث تُرتبط المساعدات بمرحلة تسليم السلاح؛ المناطق التي تُعتبر أنها سلّمت أسلحتها ستحصل على دعم، في حين تُعزل المناطق التي يُشتبه في بقائها مسلحة وتُعامل كـ«مناطق مارقة».
في المحصِّلة، يرى عفيفه أن هذه الشروط تتجاوز الإطار المرحلي المتفق عليه سابقًا. «غزة تُجبر على دفع فاتورة سياسية للانخراط الإقليمي في الحرب على إيران ولبنان»، قال عفيفه. «الغاية هي ضرب هذا المحور الإقليمي، والآن حان وقت أن تدفع غزة جزءًا من الثمن».
الجماعات المسلحة المتنافسة والقوات الدولية
أشار مسؤولون أمريكيون إلى احتمال منح حماس عفوًا واستثمارات مستهدفة إذا سلّمت هي والفصائل الحليفة أسلحتها. أعلن ملادينوف في الأمم المتحدة أنه جرى وضع إطار لتفكيك السلاح بضمانات من الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقطر، فيما التزمت دول مثل إندونيسيا والمغرب وكازاخستان بتوفير قوات لقوة تثبيت دولية مؤقتة.
لكن حماس والفصائل المقاومة الحليفة تظلّان شديدي الشكوى من وعود الأمن والمال. وحسب مصادر قريبة من الحركة نقلت عنها رويترز، من غير المرجح أن تتخلى حماس عن بنادقها خوفًا من التعرض لهيمنة ميليشيات منافسة تعمل في القطاع، وبعضها تُفيد تقارير بأنها تتلقى دعمًا من إسرائيل. وتخشى حماس أن تتغاضى إسرائيل عن تلك الميليشيات أو تؤمّنها فعليًا للقيام بدور شرطة في القطاع.
إضافة إلى ذلك، يرى محللون وقادة فصائل أن الحوافز المالية الموعودة من واشنطن غير كافية أو لم تَطِف إلى أرض الواقع؛ فرغم أن ترامب جذب تعهدات إعادة إعمار تقارب سبعة مليارات دولار في فبراير، معظمها من دول خليجية، لم يدخل سوى جزء يسير إلى صناديق اللجنة الوطنية لإدارة غزة. كما أن التصعيد الإقليمي الناجم عن الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير عرقل آليات التمويل وأوقفها جزئيًا.
وعليه، يقول عفيفه إن فرص نجاح المسار الدبلوماسي الذي يشترط نزع السلاح مقابل إعادة الإعمار تبقى محدودة، وأن حماس والحلفاء يصرون على تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق «الهدنة» في أكتوبر — التي تنص على انسحاب إسرائيلي ودخول مساعدات بلا قيود — قبل الخوض في مسألة السلاح.
بينما تحاول واشنطن وتل أبيب هندسة استسلام سياسي لحماس، لا يزال نحو 1.4 مليون فلسطيني مشردين داخل القطاع. بالنسبة إليهم، لا توفر هذه المناورات الدبلوماسية متنفسًا حقيقيًا، وتبقى معيشتهم اليومية رهينة لوصول المساعدات وسط احتلال عسكري مستمر.