مع تصاعد موجة الإدانة الدولية لتورّط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إشعال الحرب على إيران بالتعاون مع إسرائيل، ينشأ في الداخل الأمريكي سجال دستوري وسياسي حادّ بينه وبين نواب يعترضون على صلاحياته في خوض هذا النزاع.
يزعم الديمقراطيون أن ترامب، كجناح جمهوري، تجاوز الكونغرس عندما شرع في العمليات العسكرية ضد إيران ولم يقدّم تبريراً واضحاً لأسباب الضربة أو لما يُعتبر الهدف النهائي للسياسة الأمريكية. بالمقابل، تؤكد إدارة ترامب أن للرئيس حق إصدار تدابير طارئة باسم «الدفاع عن النفس» في مواجهة «تهديد وشيك» تدّعي أنه صادِرٌ من طهران.
في 28 شباط/فبراير، يوم شن الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما على أهداف إيرانية، وصف ترامب تلك العمليّات بأنها «عمليات قتال كبرى» لا «حرب» بالمعنى التقليدي، وقد أطلقت الدولتان على الضربات اسم «عملية الغضب الملحمي» (Operation Epic Fury)، والتي أسفرت، بحسب تقارير، عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين في طهران.
في أوائل مارس، رفض مجلس الشيوخ، بإجماع 53 مقابل 47، قراراً تقوده الديمقراطيون يطالب بتقييد سلطات الحرب للرئيس وإيقاف المزيد من الإجراءات الأمريكية في إيران، وكان المؤيّدون لهذا القرار يرون أن ترامب تجاوز حدوده الدستورية بإطلاقه الحرب. ينصّ الدستور الأمريكي (المادّة الثانية) على أن الرؤساء مسموح لهم بالتصرف للدفاع عن البلاد فقط رداً على تهديد فوري، وإلا فلكونغرس وحده سلطة إعلان الحرب.
برّر ترامب عملياته بالقول إنه، رغم إجرائه محادثات مع طهران، اعتقد أن إيران كانت تستعد لشنّ ضربة أولى، فاستند إلى مبرر «الدفاع عن النفس». منذ ذلك الحين، استقال مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، الذي يقدّم المشورة للرئيس ومدير المخابرات الوطنية بشأن تهديدات «الإرهاب»، احتجاجاً على الحرب. وفي رسالة استقالة نُشرت على منصة X، قال جو كينت إنه لا يستطيع «بضميرٍ سليم» أن يناصر هذه الحرب، مضيفاً أن «إيران لم تشكّل تهديداً وشيكاً لأمتنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب تحت ضغط إسرائيلي وبتأثير اللوبي الأمريكي القوي لإسرائيل».
فمن يملك أخيراً سلطة إعلان الحرب في الولايات المتحدة؟
الدستور الأمريكي يوزّع سلطات الحرب بين الرئيس والكونغرس عبر نظام من الضوابط والتوازنات، لكن اليد العليا تبقى للكونغرس، تكريساً لفكرة أن قرارات الحرب يجب أن تكون في يد ممثلي الشعب لا في يد شخص واحد.
تحت المادّة الأولى، يمتلك المشرّعون حصراً سلطة:
– إعلان الحرب رسمياً أو منح تفويضٍ بمثل هذا الإعلان.
– منح «رسائل قتال واسترداد» (Letters of Marque and Reprisal) لتمكين فاعلين خاصّين أمريكيين من مصادرة سفن العدو.
– وضع قواعدٍ بشأن مصادرة ممتلكات العدو على البر والبحر.
– توفير وتنظيم الجيش والبحرية والميليشيات المرتبطة.
– التحكم في «سلطة الجباية والإنفاق»، أي أنّ تمويل العمليات الحربية مرهون بموافقة المشرّعين.
تجلّت هذه الصلاحيات حين أصدر الكونغرس تفويض استخدام القوة العسكرية (AUMF) بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، ومرة أخرى قبل غزو العراق عام 2003.
ومع ذلك، تمنح المادّة الثانية الرئيس صلاحيات كرئيس للقوات المسلحة لتسيير الأعمال الحربية وتحديد كيفية خوضها. كما يمكن للرئيس، في حال وقوع هجوم مفاجئ على الولايات المتحدة أو تهديد وشيك، أن يأمر بردّ عسكري للدفاع عن النفس دون انتظار موافقة الكونغرس، على أن يُخطر الأخير لاحقاً — وفق أحكام قانون سلطات الحرب لعام 1973 الذي سنّه الكونغرس بعد فضيحة توسّع التدخّل في كمبوديا أثناء حرب فيتنام.
ينصّ هذا القانون على أن على الرئيس إبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من بدء أي عمل عسكري، وإلا فلا يجوز بقاء القوات منتشرة أكثر من 60يوم دون موافقة تشريعية. كما فرض القانون قيوداً تهدف لإعادة التوازن بين السلطة التنفيذية والتشريعية بشأن قرارات الحرب.
تبيّن سجلات العصر الحديث أن رئيسيّن أمثال جو بايدن وترامب اتّبعا سياسات أثارت جدلاً حول الالتزام بهذه الضوابط: اتُّهِم بايدن بتسريع شحنات أسلحة إلى إسرائيل بعد اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023 من دون موافقات تشريعية موسّعة، وهو ما رأى بعض المراقبين أنه يخلق سوابق خطيرة. وعندما ضرب ترامب منشآت نووية إيرانية في 22 يونيو خلال حرب امتدت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، أبلغ الكونغرس بالضربات في اليوم التالي، لكن جلسات الإحاطة السرية التي كان من المقرّر أن تشرح قرار البيت الأبيض تأخّرت من 24 إلى 26 يونيو، ما أثار استنكار نواب ديمقراطيين.
في ختام المطاف، لا يرى كثير من المحللين أن تصرّف ترامب في إطلاق الضربات مبرَّر قانونياً أو سياسياً. اشعار الكثير من المواطنين والمسؤولين أنّ أسئلة جوهرية بشأن الشرعية والأهداف النهائية لازالت بلا إجابة. تنبؤات فينوكين تبدو متحقِّقة: حرب ترامب على إيران تمثّل “اغتصاباً دراماتيكياً لصلاحيات الحرب الممنوحة للكونغرسس” لم نشهد مثيلاً له في عقود مضت، وفق تقرير صدر هذا الشهر، بعد أيام فقط من الضربات الأمريكية-الإسرائيلية الأولى على الأراضي الإيرانية.
تصريحات الإدارة الأمريكية تباينت بشأن أهداف الهجمات، بين “تغيير نظام” ووقف قدرة إيران على مواصلة برنامج نووي وصناعة صواريخ باليستية. وادّعى ترامب أيضاً أنه يسعى إلى “تحرير” الشعب الإيراني من حكومة وصفها بالقمعية. وتواجه طهران اتهامات بارتكاب مجازر بحق آلاف المتظاهرين المعارضين للحكومة في يناير.
في خطاب يوم 28 فبراير، وبعد إصدار أمر شن الحرب، قال ترامب إن الولايات المتحدة قررت الضرب لأن واشنطن علمت أن إسرائيل ستهاجم إيران وأن طهران ستنتقم من الحليفين. وقد طعن في ذلك لاحقاً مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب الأمريكي، جو كينت، الذي استقال من منصبه، قائلاً: «إيران لم تشكل تهديداً وشيكاً لأمتنا».
أدينت الخطوة الأمريكية-الإسرائيلية من قبل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي حذّر في 28 فبراير من أن الضربات وردود الفعل الإيرانية في أنحاء المنطقة “سيقوضان السلام والأمن الدوليين” ودعا إلى وقف فوري للأعمال العدائية.
خبراء حقوقيون يقولون إن واشنطن انتهكت القانون الدولي بقرارها مهاجمة إيران. فقد تم اتهام الولايات المتحدة وإسرائيل باستهداف بنى تحتية مدنية، مما أدى إلى مقتل مئات من المدنيين. قصف مدرسة ابتدائية للبنات قرب قاعدة عسكرية في مدينة ميناب الجنوبية في بداية الحرب أثار سخطاً عالمياً. وأكد تحقيق عسكري أمريكي مبدئي، بما يتوافق مع آراء خبراء مستقلين، أن صاروخ توماهوك أمريكياً يبدو أنه أصاب المدرسة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 160 شخصاً معظمهم من الأطفال.
في 7 مارس، بعد أسبوع من اندلاع الحرب، استهدفت غارات أمريكية محطة تحلية على جزيرة قشم في مضيق هرمز، وهي الضربة التي وصفتها طهران بأنها “جريمة فاضحة” ضد المدنيين وأدت إلى انقطاع مياه الشرب عن نحو 30 قرية مجاورة.
كما تتعرض الولايات المتحدة لانتقادات عقب استهداف غواصة لسفينة حربية إيرانية كانت على متنها طواقم في المحيط الهندي قرب سريلانكا؛ قتل ما لا يقل عن 87 شخصاً وأصيب العشرات. وانتقد النقاد أن الغواصة التي أطلقت النار لم تلتزم بمقتضيات اتفاقيات جنيف المتعلقة بتقديم المساعدة للناجين، وهو ما اعتُبر انتهاكاً واضحاً.
بينما رأى بعض الخبراء أن ضرب سفينة عدو قد يكون مبرراً عسكرياً، اعتبر آخرون أن استهدافها في مياه دولية وبعيدة عن السواحل الإيرانية قد ينتهك ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على حظر العدوان.
من جهتها، وُجهت اتهامات مماثلة لإيران بشأن انتهاك القانون الدولي إثر هجماتها الانتقامية على بنى تحتية وأصول عسكرية أمريكية في دول الخليج المجاورة.
ما الذي يقوله القانون الدولي؟ دعاوى خبراء الحقوق تركزت على أن الإدارة لم تقدم مبرراً قانونياً مقنعاً لاعتبار الهجوم على إيران دفاعاً مشروعاً بموجب المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة، سواء رداً على هجوم مسلح وقع أو على تهديد وشيك به. كما كتب فينوكين أن هجوم ترامب على إيران “يتعارض ويقوّض ليس فقط النظام الدستوري الأمريكي وتوزيع سلطات الحرب، بل أيضاً النظام القانوني الدولي الذي ساهمت الولايات المتحدة في إرسائه بعد الحربين العالميتين والمحرقة”.
هل يمكن للديمقراطيين منع ترامب من مواصلة الحرب؟ أظهرت استطلاعات رأي أن غالبية الأمريكيين لا تؤيد الحرب مع إيران. وتُقدّر التكاليف المتصاعدة للحرب بنحو 11 مليار دولار خلال الأيام الستة الأولى فقط، ويُتوقع أن تبلغ الخسائر اليومية منذ ذلك الحين نحو مليار دولار يومياً. وعلى المستوى العالمي، قد تكون التداعيات الاقتصادية هائلة مع ارتفاع سعر النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل.
بعد رفض مشروع قرار تقوده الديمقراطيون للحد من سلطات ترامب الحربية في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي، سيضطر المعارضون للبحث عن سبل بديلة لمواجهة البيت الأبيض، الذي يرفض تحديد جدول زمني واضح للنزاع. إحدى المقترحات هي توظيف “سلطة المحفظة” عبر عرقلة تمرير أي تمويل إضافي للحرب.
نائب الديمقراطي رو خانا، الذي كان في طليعة جهود قرار الحرب، صرّح لموقع الأخبار الأمريكي The Lever أن حجب الأموال هو الوسيلة الوحيدة لوقف الحرب. وقال: «الحرب تكلف دافعي الضرائب نحو مليار دولار يومياً وتستهلك ذخائر حساسة. هذا الإنفاق غير مستدام، والأمريكيون يشعرون بالفعل بالعواقب مع ارتفاع أسعار البنزين وتزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي».
يمتلك الجمهوريون أغلبية ضيّقة في كلا المجلسين بالكونغرس؛ أغلبية 53-47 في مجلس الشيوخ لا تمنحهم إلا هامشاً ضئيلاً، فهم يحتاجون إلى 60 صوتاً لتجاوز كثير من العراقيل التشريعية في الغرفة العليا، وهذا يعني أنهم بحاجة إلى أصوات ديمقراطية لا يمكن تجاهلها. قد يستخدم الديمقراطيون هذه القواعد لعرقلة تمويلات إضافية للحرب.
التاريخ يظهر نجاح هذا الأسلوب سابقاً، إذ استعمله الكونغرس بقيادة ديمقراطية خلال حرب فيتنام: إلى جانب قرار سلطات الحرب، أقرّ الكونغرس في 1970 و1973 تشريعات حظرت استخدام الأموال الفدرالية للعمليات القتالية الأمريكية في فيتنام وكمبوديا ولاوس، مما أعاق جهود الرئيس نيكسون. كما قيد الكونغرس عدد الأفراد الأمريكيين المسموح بنشرهم في فيتنام. وكرّر التكتيك نجاحه في 1982 لعرقلة إسقاط الحكومة النيكاراغوية، وفي 1993 لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في الصومال. لم ترسل أي نصّ. من فضلك أرسل النصّ الذي تريد ترجمته وإعادة صياغته.