من لفيف في الغرب إلى ماريوبول في الجنوب: أربع سنوات من الحرب
في الأسابيع التي سبقت 24 فبراير 2022، لم يتوقع أيّ أوكراني تحدثتُ إليه ما سيحدث لاحقاً. رغم تمركز أكثر من 150 ألف جندي روسي على امتداد الحدود، اعتبر معظم الناس أن هذا التجمع سيبقى مسرحية سياسية.
ظنّ بعضهم أن موسكو قد تتقدّم فقط إلى المناطق التي استولى عليها الانفصاليون المدعومون روسياً عامي 2014 و2015. الكثيرون اعتقدوا أن شيئاً لن يحدث. ثم استيقظت البلاد بين عشية وضحاها على عالم مختلف.
صارت صفارات الإنذار الجوي جزءاً من الحياة اليومية. فُرضت الأحكام العرفية. نُزعت لوحات الإرشاد عن الطرق حتى تضلّ القوات المهاجمة طريقها. اصطفّ المدنيون لتعلّم كيفية استخدام السلاح. تدفّق النساء والأطفال غرباً في قطارات وحافلات مزدحمة، عابرين إلى أوروبا بما تيسّر حمله.
في الأسابيع الأولى من الغزو الشامل، تعلّم كثيرون كيف يمسكون السلاح في صالات رياضية محلية في لفيف. ذلك العام الأول تميّز أيضاً بموجة قوية من الوطنية. تحول الرئيس فولوديمير زيلينسكي، الذي كان منتقدوه في الداخل ينتقدونه، إلى رمز المقاومة الوطنية. علت أغاني الحرب في الراديوات وتدفّقت التبرعات إلى صناديق الدعم العسكري. تصدّت القوات الأوكرانية لمحاولة روسيا الاستيلاء على العاصمة وكيّفت دفاعها قبل أن تطلق هجوماً مضادّاً فاجأ حتى الحلفاء.
حينها غيّرت روسيا أساليبها. أذكر جيداً صباحاً في فندق عندما شعرت برعشة منخفضة، همهمة تولّت الاهتزاز في الغرفة مع ضرب صاروخي باليستي سقط في شارع بدنيبرو في أكتوبر 2022. هذا صوت غير طبيعي يملأ الجسد بالأدرينالين؛ اصطكّت أدوات المائدة واهتزت الطاولات. نظر الناس حولهم لبرهة ثم استأنفوا طعامهم؛ كانوا قد بدأوا يتعلّمون كيف يعيشون مع الحرب.
مثّلت تلك الضربات مرحلة جديدة: بدأت روسيا تستهدف بنهج منهجي البُنى التحتية للطاقة — محطات التوليد والشبكات وأنظمة التدفئة — مغروِزة مدناً في الظلام حين حلّ الشِتا. أصبحت الانقطاعات الكهربائية أمراً معتاداً؛ انتشرت المولدات في الفناء والسلالم بينما يواصل الناس الذهاب إلى أعمالهم مرتدين معاطفهم بعزم على التمكّن من الحياة.
مع حلول 2023 أصبح ثمن الحرب أكثر وضوحاً. في كييف تمّ دفع القوات الروسية إلى الوراء منذ وقت طويل، وبالرغم من استمرار غارات جوية، استقرت الحياة على نحو من “الطبيعي الحربي”. تلاشت حماسة الساحة الأولى مع استفحال القتال وتحوله إلى خنادق — مشهد تذكّر بأول حرب عالمية، لكن مع طائرات بدون طيار تحوم فوق الرؤوس.
عندما عدت في يناير 2026 كانت الإرهاق واضحاً. موجة صقيع عميقة حرمَت الملايين من الكهرباء والتدفئة والمياه؛ استغلت روسيا البرد لتكثّف هجماتها على البُنى التحتية. كانت الضربات أشدّ في الليل، حيث تملأ دويّ الدفاعات الجوية والطلقات السماء إلى جانب صرير مألوف: محركات الطائرات الانتحارية التي تُدفع نحو أهداف مختلفة حول الالكييف.
في الوقت نفسه، هزّ فضيحة فساد كبرى رُبطت بشخصيات رفيعة بالقرب من الرئاسة ثقة الجمهور — نبأ مُرّ في بلد يكافح الناس فيه للبقاء دافئين. وأنّ تركّز الفضيحة في قطاع الطاقة لم يزد الغضب إلا احتداماً.
كان الجميع تقريباً يتقنون لغة الحرب. من بائعة الورود العجوز إلى تلاميذ المدارس الواقفين عند المحطات، صار بالإمكان تمييز التهديدات الواردة من إشعارات تيليغرام — نوع الطائرات، والصواريخ، ومساراتها — وكأن ذلك فطرة. بعد أربع سنوات لم يعد كثيرون يتركون أسِرتهم عند دويّ الصفّارات؛ التنبيهات صارَت متكررة للغاية، وكثير منها يصل في ساعات الصباح الباكر حيث ليس من العملي الاختباء، ولأنه ببساطة لا طاقة لديهم للقيام بذلك.
أوكرانيا في حداد. أكّدت بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا أنّ العنف المرتبط بالنزاع أدى إلى مقتل ٢٬٥١٤ مدنياً وإصابة ١٢٬١٤٢ آخرين في عام 2025 وحده.
قد تكون محادثات السلام جارية ومُستقبَلة بالخارج بتفاؤل حذر، لكن في الشوارع لا تكاد تُحدث أثراً. “أتعامل مع كل يوم كما يأتي”، كان الرد الشائع عندما سألت عن احتمال وقف إطلاق النار. باردون، مُنهكون ومُستنزفون، لا يريد الناس أن يعلقوا آمالاً كبيرة — لأنّ الأمل في هذه الحرب صار شيئاً آخر قد يُنتزع منهم.